مناريون بلا حدود: مدرسة أحلام الثانوية

9 يوليو , 2017

في المقال السابق بعد افتتاحية ومُقدمة كبيرة، ذكرت أن اختياري لتمثيل فكرة “نوستالجيا المدارس” لم يكن صعبًا على الإطلاق، فقد كانت التجربة الأولى لـ “مروان طارق” طالب مدرسة “فيكتوريا كولدج” في الإسكندرية محور اهتمام كبير بعد النجاح الذي حققه في لفت الانتباه لمدرسته وتاريخها وإظهار مدى حبه وانتمائه لها بعد الفيديو الذي أخرجه لحفلة التخرج في نهاية السنة، وكان حديث مواقع التواصل الاجتماعي لفترة تزيد عن أسبوعين.

أما التجربة الثانية أو الاختيار الثاني كان لمدرسة أحلامي في المرحلة الثانوية، فلا يخفى على أحد من الْمُقربين لي مدى مقتي وكُرهي واشمئزازي من المدرسة التي التحقت بها في المرحلة الثانوية؛ لأن مدرستي القديمة التي قضيت بها فترة الابتدائي والإعدادي لم يكن بها قسم ثانوي، وبما أننا كنا في مدرسة خاصة، وفي خضم حرب طفولية ضد أطفال المدارس الخاصة الأخرى في محيط مدينتنا، فضلنا الالتحاق بمدرسة حكومية تقليدية لا نُحبها ولا ننتمي إليها، لتمر فترة سنوات العذاب الثلاث دون أي ذكرى جيدة، وتظل مدرستنا الأفضل والأجدر والأحق بكل الحُب والذكريات السعيدة.

كان هذا قبل أن أتعرف على صديقتي “رنا” التي تُشاركني عشقي سلسلة روايات هاري بوتر، وتحكي لي عن مدرستها الثانوية التي تشعر دائمًا وكأنها “هوجورتس” فانتقل هذا الشعور إلي وتمنيت لو كان بإمكاني العودة بالزمن والالتحاق بهذه المدرسة، وعلى الرغم من استحالة الأمر، قررت أن تكون هي مدرستي الخيالية، وأحقق حلمي في وجودي بها، مع كل ذكرى تحكيها لي “رنا”، ولأن الانتماء لا يُحسب بعدد السنوات أو حتى مكان الإقامة، أصبحت أنتمي لهذه المدرسة بقلبي ورغبت في إتاحة الفرصة لصديقتي لتحكي عن ذكرياتنا التي عشناها معًا على مدارس ثلاث سنوات.

 

مدرسة (كلية النصر للبنات) – جانب من فناء المدرسة

 

رنا احكِ لي عن تجربتك في مدرستك السابقة ومدرستك الثانوية، ما الاختلاف الذي جعلك تشعرين بالانتماء الأكبر للمدرسة التي قضيت بها الوقت الأقل؟

مدرستي الأولى قضيتُ بها وقتًا أكبر بكثير من مدرستي الثانوية، وإذا قارنت بين جودة التعليم في كل منهما، سأجدها واحدة، والدليل أن مستواي الدراسي لم يتغير في أي منهما، ولا أستطيع القول بأنني لم أشعر بالانتماء لمدرستي الأولى، وكان لدي غيرة شديدة عليها، لكن في “E.G.C” كان الأمر مختلف، فلقد دخلت المدرسة وأنا كلي حماسة لها، وشعرت بكونها كيانًا مختلفًا عن أي كيان سبق لي الالتحاق به، والحالة العامة الموجودة بين الطلبة والمعلمين وحديثهم عن المدرسة الذي يحمل غيرة شديدة وانتماء كان مُعدٍ بالنسبة إلي، وجعلني جزءًا من هذا الكيان في وقت قصير.

شاركت في أغلب الأنشطة في وقت قصير، مما جعل انتمائي للمدرسة يزيد، لدرجة أن بعض الْمُعلمين كانوا يفاجَؤُون بكوني طالبة جديدة، ربما الأمر يرجع كذلك بسبب أن شخصيتي في الثانوية بدأت تظهر لها ملامح أكثر؛ فعرفْتُ كيف أستمتع بوقتي في المدرسة وأجعل مرحلة الثانوية أفضل فترة مَرَّتْ عليَّ، وهذا ما حدث بالفعل.

ومن المواقف التي جعلتني أشعر بكون المدرسة منزلي الثاني فعلًا، عندما كنت أجلس في مكان عام قريب من المدرسة بعد تخرجي منها وشعرت بالجوع وكان معي طعام بالفعل، لكنني شعرت بالحرج من تناول الطعام في مكان عام كهذا، فوجدت نفسي بدون تفكير أذهب للمدرسة لأجلس وأستريح وأتناول الطعام في هدوء، وقتها شعرت حقًا بأنها منزلي، وكنت أذهب كل يوم خميس بعد التخرج للتنزه فيها.

 

هل حدث أي موقف جعلك تشعرين بالضيق أو الصدمة من المدرسة؟

لا أعتقد أن طَوَال الثلاث سنوات حدث أي موقف جعلني أكره المدرسة ولو لوقت قصير، لكن من المفترض أنني تركت أصدقائي الذين عشت معهم لفترة طويلة والتحقت بمدرسة أخرى مع زملاء جدد، وكنت أعلم جيدًا أن هذا الأمر له ضريبة يجب دفعها، مثل مواجهة التنمر من الزملاء الجدد، وحدثت بالفعل مواقف مشابهة، لكنني لم ألتزم الصمت ودافعت عن نفسي، ولم أسمح أن يؤثر هذا الأمر على حبي للمدرسة أو حماسي كل يوم في الصباح وأنا متجهة إليها.

 

مدرسة (كلية النصر للبنات)

ما الموقف الذي جعلك تشعرين بالانتماء الشديد للمدرسة؟

أول مرة أغني على المسرح في حفلة تخرج دفعة سنة 2013، وآخر يوم أرتدي فيه زيي المدرسي في إبريل 2016، وتحديدًا يوم أن وقفت على المسرح مع زملائي لنغني، وقتها شعرت أنني منتمية بشدة لهذا المكان ولا أريد أن أغادره.

كنت أتمنى أن تكون إجابتي هي اليوم الذي قامت فيه طالبات المدرسة بالتظاهر ضد وزير التربية والتعليم بسبب رغبته في تحويلها لمدرسة تجريبية، وقتها قاموا بالمبيت في المدرسة لأيام، لم أحضر هذا الموقف للأسف، لكن ابنة خالتي “مريم” كانت واحدة من المشارِكات في الاعتصام سنة 2010 وهذا يجعلني فخورة للغاية.

 

ماذا عن سنة التخرج؟ ماهي المواقف التي أثرت فيكِ وأثارت مشاعرك، وكيف تعاملتِ مع فكرة ابتعادك عن المدرسة لفترة طويلة للذهاب للدروس الخصوصية والمذاكرة في المنزل كما هي العادة في الشهادة الثانوية؟

سنة التخرج كانت ممتلئة بالمشاعر المختلطة، والبداية كانت في حفل تخرج دفعة 2015 عندما وقفت الطالبة الرئيسة لدفعتنا لإلقاء الخطبة بعدما تلقت التاج من الطالبة الرئيسة للدفعة السابقة، كنت فخورة للغاية في هذه اللحظة، وسعيدة بما يحدث، وفي نفس الوقت حزينة لأنني لا أريد أن نكون الدفعة التي عليها الدور في المغادرة في السنة القادمة، لذلك بكيت، فكنت أبكي وأضحك في نفس الوقت.
أما عن الثانوية العامة فكانت سنة مشحونة جدًّا جدًّا ومليئة بالضغوطات، والوقت القليل الذي كنت أقضيه في المدرسة مع زميلاتي كنا نستغله في عمل كل ما يسعدنا، وأخبر نفسي بأنه سيأتي يوم وأشتاق لهذه الفترة من عمري في المدرسة، لذلك علي أن أستمتع على قدر استطاعتي، وهذا ما حدث، وفي الحقيقة أشعر بالسعادة لأنني قدرت قيمة المكان الذي قضيتُ به 3 سنوات، ولم أترك الفرصة لنفسي لكي تندم على شيء لم تفعله في هذا المكان.

 

مدرسة (كلية النصر للبنات) – زينة حفل التخرج

سؤالي الأخير لكِ يا رنا: ما التغيير الذي أحدثته المدرسة بداخلك، وما الذي تعلمتيه من تجربتك بها وترغبين في أن تنقليه للأجيال القادمة في المدرسة؟


أكثر شيء تعلمته من المكان هو الانتماء، معنى أن تكون جزءًا من كيان، الغالبية من جيلنا لم تشهد لحظات انتماء شديدة للبلد، أو دعيني أقول أن هناك معاني كثيرة للانتماء ماتت بداخلنا بسبب المواقف التي شاهدناها في السنوات الأخيرة.

لكن المدرسة كانت موجودة طوال الوقت لتجعلنا نسترجع هذا الشعور، وهذا ما أشعر به تجاه كل من درَس في المدرسة، من أصغر طالبة وحتى أكبر خريجة، وهذا ما أرغب في أن يستمر مع كل من تمر بتجربة الدراسة بها، أن تشعر بأنها جزء من الكل.

كوننا خريجات “كلية النصر” سيظل علامة مميزة في حياة كل واحدة منا، وأتمنى أن تنتقل قيمة المدرسة للأجيال الأصغر، ونتوقف عن ذكر تاريخها القديم، ونبدأ في صنع تاريخ جديد خاص بنا نحن الجيل الأحدث

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك