مناريون بلا حدود: من غيرك مش هتكمل

9 يوليو , 2017

لطالما اعتقدت أن الكاتبة البريطانية “جي كي رولينج” واحدة من أكثر العقول عبقرية في الكتابة لما قدمته لنا في سلسلة الروايات الشهيرة “هاري بوتر”.

أسباب إيماني بهذا الأمر لا تُعد ولا تُحصى، في كل مرة أقوم بقراءة الرواية أو مشاهدة الفيلم اكتشف أسبابًا جديدة تدفعني للثبات على هذا الإيمان، لكن أكثر ما يثير إعجابي وحسدي شأني كشأن الملايين في العالم باختلاف جنسياتهم وأعمارهم وأفكارهم الذين ينتظرون خطاب القبول من مدرسة هوجورتس للسحر لترك عالم العامة والذهاب للحياة وسط أروقة وممرات مدرسة الأحلام، هو إدراك “رولينج” لأهمية المدرسة ورمزيتها كعالم كامل نقوم ببنائه بسواعدنا الصغيرة ونرسم مستقبله بالخيال الذي لا تتوقف عقولنا عن إنتاجه وتدعمها القلوب بالعزيمة والإصرار الطفولي على تنفيذه ليصبح واقعًا ملموسًا.

المدرسة كانت وستظل رمز الوطن الذي تعرفنا على ملامحه الكاملة دون أن نُدرك ذلك، وعلى الرُغم من معارضتي في الفترة الأخيرة لفكرة “المدرسة” وتقييد الطُلاب بنظام تعليم غير عادل يُحدد من هو الأفضل والأنجح في المُجتمع طالما يلتزم به، وينفي من لا يستطيع مجاراته، إلا أنني ما زلت أرى أن هناك أملًا في تعديل الصورة إذا تحررنا من القيود التي تسيطر على أنظمة التعليم الحالية في مختلف دول العالم، وليس مصر فقط، لكي نصنع مجتمعًا رائعًا ونمنح أطفالنا وشبابنا الفرصة في تجربة الانتماء وبناء مجتمعهم الخاص في المدارس والجامعات.

عند طرح موضوع قضية الشهر هذه المرة، لم أفكر في كتابة تجربتي مع مدرستي الرائعة في المرحلة الابتدائية والإعدادية، سبق وأن كتبت الكثير عن مشاعري ناحيتها من قبل خاصة في فترة عملي بوصفي معلمة بها بعد تخرجي من الجامعة.

أما بوصفي فردًا من عصابة “المناريون”  -نسبة إلى اسم المدرسة (المنارة)- شعرت أنه يجب علي منح الفرصة للمناريين باختلاف أسمائهم في ذكر تجربتهم المميزة مع مدارسهم وخاصة من هم أصغر مني سنًا، بعد أن تدهور حال المدارس بشكل سيء وأصبح من النادر أن ترى طالب يشعر بالانتماء لمدرسته في هذا الوقت.

لم يكن الاختيار صعبًا قَط، فقد كان “مروان طارق” ملء السمع والبصر على شبكات التواصل الاجتماعي بسبب هذه الأغنية الشبابية لواحدة من أشهر شركات الاتصالات في مصر التي أعاد إخراجها بنفسه لمدرسته “فيكتوريا كولدج” في الإسكندرية مع خطابه المؤثر الذي كتبه تحية تقدير لزملائه السابقين ويذكر فيه أسباب انتمائه وحبه وإقدامه على هذا العمل الذي أثار ذكرياتنا جميعًا في حُب المدرسة، أما الاختيار الثاني فلم يخرج كذلك خارج نطاق “اسكندريتي” العزيزة مع صديقتي رنا ومدرسة “كلية النصر للبنات”.

 

ولكن اليوم المجال مفتوح للسيد “مروان” ليحكي لنا قصته الرائعة في الحوار الذي أجريته معه وكان كالتالي:

المدارس حاليًّا لم تعد مصدر انتماء، أغلب الطلاب لا يفضلون الذهاب للمدرسة والكثير من الشباب يترك الدراسة الجامعية، ما الذي جعلك متمسكًا لهذه الدرجة بمدرستك ومُنتميًا إليها بهذا الشكل؟

لأن مدرستي مُلهِمة لأي شخص، وتعتبر كيانًا كبيرًا في كل ما يخصها، أشعر كأنها دولة يوجد بها ملاعب كرة قدم وسلة وسباحة وكاراتيه وكرة طائرة، كل ما نرغب بعمله نجده داخل المدرسة، بجانب الوقت الذي نقضيه فيها منذ 14 سنة، طوال هذه الفترة نصبح دائمي التردد على المدرسة، ومن صغري كنت مشتركًا في أغلب الأنشطة، ولديَّ روح غيورة على كيان مسرح المدرسة.

بالإضافة لشعوري بأن هذه المدرسة بخريجيها من المشاهير مثل يوسف شاهين وأحمد رمزي وشادي عبد السلام، لا يجب أن تصبح مجرد مدرسة عادية.

 

هل شعرت في يوم بتقييد النظام التعليمي لحياتك أنت وأصدقائك مما يدفعك للشعور بالملل من المدرسة والدراسة؟

أرى أن هناك سنوات كثيرة تضيع بدون فائدة، لماذا علي أن أدرس لمدة 6 سنوات في المرحلة الابتدائية؟ ماذا أتعلم طوال هذا الوقت؟
ولماذا فكرة الكلية تعتمد على قدرتنا على الدراسة لمدة 14 سنة قبلها دون الاحتكاك بالحياة العملية، وبعد التخرج من الكلية نصبح على أعتاب الثلاثين، وهذا بالتأكيد لا يسمح بوجود الشباب كعنصر رئيس في قيادة الدولة؛ لأن مفهوم الشباب عندنا يبدأ من الثلاثين، وقبل ذلك ما تمثله لا يوجد له تعريف في الحياة العملية.
في السابق عندما كان يسألني أحد عن الفيديوهات التي أقوم بصنعها ومدى تأثيرها على دراستي، كانت إجابتي هي أنني أستطيع التوفيق بينهم في الوقت، لكن الحقيقة أن الدراسة كانت عائقًا أمامي في أمور كثيرة كنت أستطيع عملها والتفوق فيها، لأن الإنسان عندما يحدد موهبته وطريقه يشعر بأن وقته يضيع في الدراسة والمدرسة.

 

 

احك لي عن فكرة الانتماء والقدوة التي ذكرتها في كتاباتك على فيس بوك، وبعض الأسماء التي كانت سببًا في شعورك بالانتماء والمسؤولية تجاه المدرسة.

في سنة 2007 حضرت حفل تخرج واحدة من أعظم الدفعات التي دخلت المدرسة، وعندما نظرت في وجوههم ورأيت أحمد الشيخة ومؤمن شرف أقسمت أن أصبح أفضل منهم يومًا ما.

اتحاد الطلبة كان حُلمًا لدي من صغري، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، ففي سنة 2013 حدثت مشكلة بسبب اتهامي برسم مسيء للحكومة على سور المدرسة، وفي الحقيقة لم أكن أنا الفاعل مع وجود تحفظات لدي على سياسات الدولة، لم أستطع شرح موقفي للجميع، ووقف بجانبي بعض الأساتذة على الرغم من صعوبة موقفي، لذلك قررت التنازل عن حلمي لصالح صديقي وأكثر شخص يستطيع الحفاظ عليه والنظر للصورة العامة، وتذكرت أن حلمي الأساسي هو وجود اتحاد طلبة قوي في المدرسة يستطيع محاسبة المديرين والمسؤولين، وبعد فترة استطعت دخول اتحاد الطلبة والفوز بالتزكية وتحقيق حلمي مجددًا.
أما عن أحمد الشيخة، علاقتي معه بدأت في المرحلة الابتدائية في فريق المسرح، عندما كنت أصغر الأعضاء، فاختارنا أحمد لنكون في لجنة الترحيب بالحضور في حفلة التخرج كممثلين عن طلاب الابتدائي.
بعد فترة ذهبت لمكتبة الإسكندرية وحضرت حفلة الاحتفال السنوي لأحد المبادرات، وشهدت تنصيب أحمد الشيخة ليكون رئيس المبادرة، فذهبت لأسلم عليه، وأخبرت الجميع أنه زميلي في المدرسة ومثلي الأعلى، وبعدها بفترة اشتركت في نموذج محاكاة مجلس الأمن وكان هذا أول مشروع بعد الثورة لهذه الفئة العمرية.
لاحظ أحمد وقتها أنني بالاشتراك مع 3 من أصدقائي نكون فريق لعمل الفيديوهات، فقام بضمنا لفريق عمل الإعلام وصنعنا فيديو الافتتاح وصمم أحمد على نزول أسمائنا في الفيديو بوصفنا صُناعًا.
ومن هذا الوقت استمر في العمل معي وساعدني كثيرًا، وذات يوم حضر حفلًا قُمتُ مع فريقي الصغير بصناعة الفيديو الخاص به، وعندما شاهد اسم الفريق حكى في فترة حديثه المخصصة في الحفل عني وأصدقائي وكيف أننا قمنا بإنشاء فريقنا ونحن في العاشرة من العمر وبدأنا في صناعة الفيديوهات الخاصة بنا وطبعنا كروت صغيرة باسم شركتنا، على الرغم من عدم رضاء أهلنا عن ما نفعله.
كل هذا كان سبب في رغبتي أن أصبح مثله يومًا ما، كونه ساندني ووقف بجانبي وكذلك إعجابي بكسبه لاحترام الآخرين لشخصه ونجاحه في الحياة العملية.



 

 

اخبرني عن الدور الذي قمت به مع صديقك عندما نجحت في أن تصل إلى رئاسة اتحاد الطلبة، ما الذي رغبت في تغييره في المدرسة؟

منذ اليوم الأول استلمنا إدارة الاتحاد في وقت شهد خلافات كثيرة في المدرسة، كان هدفنا خلق نماذج جديدة تزرع الأمل في الجيل الجديد البعيد كل البعد عن الأجيال السابقة التي لم نحتك بها.
كنت أريد تغيير النغمة السائدة في التغني بالشخصيات القديمة فقط، وألفت النظر لوجود شخصيات وأفراد جدد قادرين على صناعة تاريخ للمدرسة.

أول مشروع قمنا بعمله هو دورة تدريبية في الفنون الجميلة بالتعاون مع قسم التربية الفنية في المدرسة بدون أجر، بعد ذلك قمنا بعقد يوم للطلاب للتعرف على كيفية الالتحاق بالجامعات في الخارج والحصول على فرص المنح الدراسية، وجلبنا عددًا من الخريجين الذين قاموا بالحديث عن تجربتهم، وبعد ذلك قمنا بعمل يوم لطلاب المرحلة الإعدادية بالتعاون مع رابطة الخريجين، للتعرف على مواهبهم، وهكذا استمر العمل.

ولكن كان هناك العديد من المشاكل مع إدارة المدرسة بخصوص تأجير بعض المنشآت في المدرسة بسعر زهيد غير مطابق لمعايير كونها أثرية وقديمة.

وقفنا في وجه الإدارة وبدأ الطلاب في الشعور بوجود كيان يسمى اتحاد الطلبة يمكنه أن يدافع عن حقهم.

وعززت العديد من المواقف اللاحقة فكرتنا عندما أغرقت السيول مجموعة كبيرة من الكتب الدراسية فخاطبنا أولياء الأمور لكي تقوم المدرسة بتعويض الطلاب و إرجاع مصاريف الكتب، وبالفعل قدمنا طلب للإدارة و ضغطنا عليهم حتى نفذوا ما طلبناه.

بعد ذلك قمنا بعمل حملة على الإنترنت باسم (#امتحنونا_في_مدرستنا) بعدما أصدر  الوزير قرار بنقل طلاب المدرسة لأداء الامتحانات خارجها لمدة 3 سنوات بحجة أننا مدرسة سيئة السمعة، واستطعنا في هذا الوقت الوصول للبرامج الإعلامية والحديث عن مطالبنا وشرحنا وجهة نظرنا.

كل هذا حدث وهناك جيل يشاهد ويتعلم وبعد أن قام بمهاجمتنا سابقًا واتهمونا بالفشل، أصبح هو الجيل الذي يستشهد بأسمائنا بعد حفلة التخرج التي أردنا أن تكون انتهاء لحلم كبير بدأ منذ سنة في انتخابات اتحاد الطلبة.


إذن هذا هو وقت الحديث عن الفيديو الذي قمت بإخراجه لواحدة من أشهر الأغاني الشبابية، لماذا وقع اختيارك على هذه الأغنية تحديدًا؟

منذ فترة طويلة كنت أحلم بوجود أغنية تجمع بين كل ألوان الغناء، وفي الوقت الذي صدرت فيه هذه الأغنية شعرت بسعادة شديدة لأن الفن يجمع فئات المجتمع المختلفة ويوحدها، وهذا ما وجدته بها، وعندما ركزت بشدة في الكلمات وجدتها تصف مجتمع مدرستنا وخاصة دفعتنا، كل فرد منا يحب أمر مختلف ولكننا في النهاية تحت اسم وكيان واحد.

فكرت أن يصبح الفيديو الجديد عامل تحفيز للطلاب للمشاركة في جزء من عمل يخص حفلة التخرج، وبحثت عن إمكانية مخاطبة الشركة المُنتجة للأغنية والفيديو الأصلي وإقناعهم بأن يكونوا رعاة حفل التخرج و يجلبوا كل الفرق الغنائية التي شاركت في العمل.

دخلت في خلاف مع أصدقائي الذين وصفوا تحقيق هذه الفكرة بالمستحيل، لأن الأغنية مر عليها سنة كاملة ولا فائدة للشركة من عمل فيديو جديد يُحاكي الأصلي ولكنه يُعبر عن مجتمع آخر داخل مدرسة، ولكن فكرتي في الإقناع كانت أن الفيديو سيصبح دعاية مجانية للشركة الأصلية ودعمهم لنا في حفل التخرج هو جزء من مساهمتهم في دعم المجتمع.

بعد معاناة أستطعت أن أقنعهم بتخصيص جزء من ميزانية التخرج لإخراج فيديو الحفل، ودخلت في تحدي لتنفيذ الفكرة وتحقيق حُلمي لأنها فرصة لن تعوض مرة أخرى في تحقيق عمل مميز للمدرسة وإثبات موهبتي في الكتابة والفيديو.

سؤالي الأخير لك مروان، ما الذي شعرت أنه تغير في مدرستك، والطلاب الأصغر سنًا بعد النجاح الذي حققته؟
وهل بعد تخرجك من المدرسة ستحرص على وجود دور لك في المحافظة عليها وتطويرها حتى وأن تعرضت لمشاكل مع الإدارة؟

ما تغير هو وجود جيل جديد بدأ يشعر بالغيرة على مدرسته، واستطعنا تسليط الضوء على هذه البقعة في الإسكندرية لنخبر الجميع بأن هُناك مدرسة تُدعى فيكتوريا، وكل فرد قادر على إثبات نفسه أمام العالم ومحو كلمة المستحيل.

وبالتأكيد سأكمل دوري تجاه المدرسة، بعد التخرج يبدأ الطالب علاقة جديدة بمدرسته وهي علاقة في منتهى الحساسية والأهمية، لأنك أصبحت تنقل خبرتك لمن بعدك وترغب في أن يكون أفضل منك، أما عن الإدارة فمن يرغب بتحقيق شيء لن يهمه إدارة أو روتين، حتى وإن أمسك جيتار ليغني وقت الحرب.


في أوقات كثيرة يظهر الأمل في وسط الخراب، لا وسط الهدوء والاستقرار.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك