من الكتاتيب القرآنية إلى المدارس الحديثة: حديث في النشأة وجدل التحديث والتأصيل

22 مايو , 2015

عرف العالم الإسلامي في مختلف الحقب الزمنية نظامًا تعليميًا وثيق الصلة بما يسمى الكُتاب أو نظام الكتاتيب، وهي مؤسسات تعنى بتحفيظ القرآن الكريم وتدريس علومه، قديمة في البيئة الإسلامية قدم تطور الأنظمة التعليمية داخل الحضارة الإسلامية التي ارتكز نشوءها وتمددها على الفكرة الدينية المستندة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وما تحلق حولهما من علوم إسلامية ولسان عربي حاوي لهذه العلوم وناطق بها، بحسب الأمصار والأقطار وخصوصيات كل قطر في التدريس بين أهل المغرب وإفريقية وبلاد الشرق والأندلس كما يبين ابن خلدون أوجه التمايز بين هذه الأقطار.

وقد شكلت مرحلة التدوين وتلقين المعارف الإسلامية ثم تطورها فيما بعد قوة دفع لشيوع ثقافة التدريس نظمًا وطرائق أو مؤسسات حاضنة لتلقين مختلف أصناف العلوم والمعارف، ومعلوم أن النظم التعليمية والمؤسسات الحاضنة لها قديمًا داخل الحضارة الإسلامية تختلف في وجه من الوجوه مع نظم التدريس وبنياتها المعاصرة مع المدرسة بصيغتها الحديثة والتي تعتبر إفرازًا لتطور نظم التدريس وتراكم المعارف والوسائط المعبرة عنها، فكان التطور العلمي والثقافي الغربي المعاصر مفرزًا لطرائق التدريس المعاصرة والمدرسة كبنية قائمة الذات في حلتها الجديدة.

وإذا كانت الكتاتيب وليدة البيئة الثقافية الإسلامية ومقتصرة على تدريس القرآن الكريم والمعارف والآداب الإسلامية باللسان العربي المبين، فإن المدرسة تحمل في ثناياها خليطا مع المعارف والعلوم ومناهج التدريس التي تختلف عن النمط التقليدي المعهود في البيئة الإسلامية، وبين الكتاتيب والمدرسة تكثر الفروقات الجوهرية بين أدوار كل من المؤسستين والنظامين التعليميين في عالمنا الإسلامي.
فما هي الأدوار التي قدمتها وتقدمها الكتاتيب في العالم الإسلامي قديمًا وحديثًا؟ وما هي سياقات نشأة كل من الكتاتيب والمدارس؟ وما الفروق الجوهرية الكامنة في الأنظمة التعليمية والقيمية بين الكتاب والمدرسة؟

1_ضرورة تحديث طرائق التدريس وأنماط التفكير: العقل من الكتاب المسطور إلى الكتاب المنظور 

إن دور الكتاتيب من القدم متمحور حول القرآن الكريم، فلا غرابة في ذلك ما دامت أمة الإسلام تأسست على النص، فمنه تنبثق نواميس الفكر والنظر في الوجود وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وليس في ذلك تغييب للعقل وكبح لتجديد النظر، وإنما النص طافح بمعاني التدبر والتفكر في آلاء الله وترشيد للعقل وتسديد خطاه والانفتاح على المعارف والعلوم بما يسهم في مهمة الاستخلاف والعمران الرشيد، وقد كان حريًا بالنظم التعليمية وطرق التدريس أن تتطور أكثر وألا تبقى مقتصرة على البيان أو تجعل من العلم التجريبي والصناعة والكيمياء العلم الذي لا ينفع كما تحتويه الكثير من كتبنا التراثية، فخلقت نوعًا من التنازع والصراع بين طرف النظر بدل التكامل، إن لم نقل إن هناك دعوات صريحة يحتويها القرآن الكريم تعتبر موجهة للعقل التجريبي وضرورة التجديد الدائم في النظر والتفكر العلمي في الكون.

وليس حديثنا هنا إلقاء اللوم على طرائق التدريس ونظام الكتاتيب الذي كان ولا يزال معتمدًا، وإنما هو لوم للعقل المسلم الذي وضع نفسه في سياج وغلف ثقافة المتمدرسين على نمط جعلهم في المدى البعيد مرهونين للتقليد والجمود بعد أن كانت القرون الأولى قاعدة تفكير ونهوض علمي كبير إلى جانب النهوض في المعارف المتصلة بالبيان، تجنبًا للكبوة التي طالت كل أصناف العلوم وبصمت قرونًا بما سمي عهد الانحطاط الذي واكبه نهوض سريع في الغرب لما ارتكز على تجديد النظر المعرفي والثقافي ونقد الفكر الديني، الذي أسهم فيه التعليم بالقسط الكبير، وهو ما ينتظر العقل المسلم الآن لاستئناف النهوض وتجاوز الكبوات الحاصلة.
2_طرائق التدريس في العالم الإسلامي من منظور فيلسوف الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون
كان ابن خلدون متأملاً حصيفًا في واقعه، غير مرهون بنظر ضيق، وقد ساعدته تجاربه وتنقلاته بين مختلف الأمصار في صقل منظار يتسع ليشكل رؤية حضارية تتجاوز اللحظة لتستشرف المستقبل كما يمكنها أن تسبر أغوار التاريخ فتكَشَّفَ ما عجز عنه باقي المؤرخين لاعتمادهم المنهج السائد والمتعارف عليه بينهم، فكان ابن خلدون صاحب رؤية نهضوية تجديدية بحق، ساعده في  ذلك سعة معارفه وانفتاحه على مختلف صنوف مذاهب الفكر  من كل الملل والنحل، وهو ما أسهم في الدفع بابن خلدون إلى تشكيل نظرية خاصة في قضايا الفكر والمجتمع والدولة منها نظرته لقضايا التربية والتعليم.
كل ذلك لا يعنينا جملة بقدر ما نقتصر على ما أورده من تشخيص لطرائق التدريس للنظم التعليمية في العالم الإسلامي آنذاك، وهو تدريس يرتكز على القرآن الكريم، حيث يقول ابن خلدون فيه “اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث. وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعده من الملكات”(ابن خلدون المقدمة، ص: 588، دار الفكر).

فلننتقل الى طرائق التدريس في مختلف الأمصار الإسلامية كما رصدها ابن خلدون
أ_طرق التدريس عند أهل المغرب
يرصد ابن خلدون في كلام بديع اختلاف طرائق التدريس بين مختلف الأمصار ومميزيات كل قطر عن آخر في التدريس، وذلك النهج سيستمر من ابن خلدون إلى سياقنا المعاصر كما هو حال المغرب، الذي يقول عنه “فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه؛ لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعلميهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب؛ إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعًا على العلم بالجملة. وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر، أمم المغرب، في ولدانهم أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا في الكبير إذا رجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره، فهو لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم”(ابن خلدون المقدمة، ص: 588، دار الفكر).
فهذه الطريقة التي تميز بها المغاربة والتي كانت منتشرة في المداشر والحواضر جعلتهم متمكنين من فنون الرسم القرآني وما يتصل به دون الإبحار في علوم اللغة والإبداع في البيان كما هو الشأن بالنسبة لباقي الأمصار الذين خلفوا إرثًا زاخرًا في المجال، ويجلي ابن خلدون ذلك بقوله، “فأما أهل افريقية والمغرب؛ فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة، وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها. وليس لهم ملكة في غير أساليبه، فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العربي، وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام” (ابن خلدون، المقدمة، ص: 589، دار الفكر).
إن مثل هذا القول عند ابن خلدون ينطبق على طبقة من طلبة الكتاتيب القرآنية وحفاظ القرآن في المداشر والمدن دون غيرهم، وهي الطبقات الدنيا من الذين لم تكن لهم القدرة على الاستمرارية وتلقي المعارف في مؤسسات كبرى على شاكلة القرويين أو الزيتونة أو غيرها من المؤسسات ذات الإشعاع الحضاري والتي تحتفظ أنظمتها التعليمية على نماذج متطورة بالنظر إليها في حينه، ويمكن تقبل خلاصة ابن خلدون في مسألة قصور اللسان العربي عندهم على الإبداع إذا نظرنا إلى البنية الاجتماعية والقبائلية للمغرب باعتبارهم قبائل أمازيغية أو جبلية، وحافظا على اللسان العربي بما يحفظ صلتهم بالقرآن، فأمم المغرب وإفريقية تشكلت من جديد رسالة الإسلام وامتزجت فيه قيمه مع عادت المنطقة والقبائل المشكلة لها، وكان ارتباطهم بالقرآن مسألة إيمانية وبالعربية بما يوصلهم إلى معاني الرسالة وأحكامها أكثر منها إبداعًا في اللسان ذاته.
أما الحواضر من مثل سوس ومدينة فاس وغيرها من المدن والجهات ذات الاشعاع العلمي فإنها كانت تمثل الواجهة الأخرى للأندلس وعواصم العلم والمعارف رغم ما طالها من جمود بفعل تراكم الأسباب المؤدية للتخلف، وهو تخلف تتداخل فيه عدة عوامل إلى جانب المسألة التعليمية، وإلى جانب هذا فإن المغاربة طيلة تاريخهم رغم براعتهم في الكثير من الفنون، فإنهم مقلون في التأليف والكتابة، وتلك خصلة لا زالت مستمر إلى الآن، لكن هذه القلة لا يمكن اعتبارها بحال مقياسًا نقيس به مستويات الوعي.
ب_ طرق التدريس عند أهل الأندلس وأهل المشرق
من المعلوم أن الأندلس حاضرة من الحواضر الكبرى التي خلفت إرثًا عظيمًا في مختلف الفنون، وقد كان ابن خلدون على اطلاع مباشر بالحضارة الأندلسية حيث زارها مرارًا وأمضى بها وقتًا غير قليل داخل دار الحكم بها، ويشير إلى أنمودجهم بقوله، “وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو، وهذا هو الذي يراعونه في التعليم. إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك وأسه ومنبع الدين والعلوم جعلوه أصلا في التعليم. فلا يقتصرون لذلك عليه فقط؛ بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل، وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب. ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم في الخط أكثر من جميعها، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما، وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة، لو كان فيه سند لتعليم العلوم”(ابن خلدون، المقدمة، ص: 588).
ويعتبر ابن خلدون إفريقية على قرابة من أهل الأندلس في تعليم الشبيبة وتلقينها المعارف المتصلة بالقرآن، “أما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما يبلغنا، ولا أدري بم عنايتهم منها. والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراس القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشبيبة، ولا يخلطونه بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده، كما تتعلم سائر الصنائع، ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان. وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن الإجادة، ومن أراد تعلم الخط فعلى قد ما يسنح له بعد ذلك من الهمة في طلبه، ويبتغيه من أهل صنعته”(ابن خلدون، المقدمة، ص: 589).
وقد كان في إدماج الشعر والأدب عند أهل الأندلس للصبيان ومرتادي كتاتيب التدريس ودور التحفيظ أثر في التمكين لهم من اللسان العربي، وما تبقى من إرث في علوم البيان شاهد على ذلك، وقد نقل ابن خلدون عن أبي بكر ابن العربي بعض من نقده الذي وجهه لأهل المغرب الذين يلقنون الشبيبة والصبية القرآن وهم لم يتفطنوا بعد لمعانيه وأحكامه، فيُحَبِّذ الاتصال بداية بعلوم اللسان ثم الحساب حتى يدرك القوانين، بعدها يكون مؤهلاً ليتفاعل مع الخطاب القرآني شكلا بحفظ المباني ومضمونا بتلمس القيم والمعاني، واعتبر  ابن خلدون كلام ابن العربي حسن لكن الناس حسب ابن خلدون تلجأ لتحفيظ القرآن بداية بغاية التبرك والثواب، ثم اغتناما لفترة الصبى التي يكون فيها الشاب تحت إمرة والديه ومسؤوليتهم، فيرجحون تعليمه القرآن في الصغر تجنيبًا له من الضياع.
3_الكتاتيب القرآنية: مزايا وسلبيات
إن تلكم الطريقة التي يتحدث عنها ابن خلدون عن طرق تدريس القرآن والتي استمرت وذاع شيوعها مع الكتاتيب القرآنية، فكانت الكتاتيب منتشرة عند أهل المدر كما عند أهل الحضر، ويسمى الكتاب القرآني “المسيد” أو “الحضار” عند بعض المناطق بالمغرب، حيث يحفظ الطلاب القرآن على الألواح الخشبية ويكتبون يوميًا كل صباح ما يحفظونه طيلة اليوم حسب الدرجة والمكانة التي بلغها، فيكون المبتدأ بتعلم الحروف العربية ثم الفاتحة وهكذا، إلى أن يصل إلى ختمة القرآن ثم يعيد الختم حتى يرسخ في الذهن، وبعدها ينتقل إلى مدارسة المتون والرحلة نحو الشيوخ والمؤسسات التي تعني بتدريس الأصول والفقه وعلوم الآلة من منطق ولغة، ومن ثم من أراد التحصيل أكثر يكون بإمكانه ذلك في مؤسسات ذات إشعاع علمي كبير على شاكلة جامع القرويين مثلاً في المغرب والتي تعتمد نظامًا تدريسيًا خاصًا يؤهل الطالب إلى الحصول على العالمية.

وتبقى للكتاتيب القرآنية سمة خاصة بالنظر إلى مواردها المالية والجانب التدبيري، فأغلبها ذات تمويل مستقل عن دعم الدولة ويعتمد على الوقف أو العمل الخيري والإحساني، كان هذا ديدنه قديمًا ولا يزال إلى الآن، والأمر نفسه في التدبير، وهو ما سمح لها أن تعرف نوعًا من التطور السريع في العقود الأخيرة وأن تلقى إقبالاً كبيرًا من المجتمع الذي كان بحاجة لها حفاظًا على مقوماته ذات الصلة بشؤون الهوية والقيم التي أصبحت مدار صدام كبير بين قوى متعددة، فكانت الدول مجبرة على استيعاب الكتاتيب ودمجهم في نظام التعليم العتيق بشكل مهيكل وذات نظام تعليمي شبه موحد الذي يربط بالجامعة كما هو الشأن بالنسبة للمغرب، ويستفيد من الدعم الحكومي ويحظ بالرعاية تحت مسمى التعليم الديني.

وقد استمرت الكتاتيب القرآنية في أداء وظيفتها ومهمتها التعليمية والتربوية رغم ما أصاب الأمة من خلل وشلل، فلم مقتصرة على تحفيظ القرآن، بل تتعداه إلى تلقين الآداب الإسلامية وترسيخ القيم في وجدان الناشئة وذهنها، حيث يتربى الفتية على احترام الآخر، ويقوم الشيخ المحفظ دور المربي إلى جانب مهمته التعليمية، وقد اطلعت الكتاتيب بأدوار مهمة في التشبث بمقومات الشخصية الوطنية زمن الاستعمار، بل إن الاستعمار نظر إليها نظرة ريبة وقلق، رغم أن لها سلبيات في حفظ التقليد وإدامة الطرق التقليدية في التربية والتعليم، وذلك مؤذن بالانغلاق والتقوقع وتكريس التخلف، فقد تفتحت عيون العالم العربي والإسلامي على صعود الغرب برؤية تقليدانية نتيجة التقوقع على الذات وعدم التطلع إلى المسارات التي خطتها الأمم الأخرى في النهوض، والتي كان التعليم جوهر ذلك النهوض وأساسه.
ورغم الكثير من السلبيات فإن إيجابيات ومزايا الكتاتيب القرآنية طافحة يمكن حصر أدوارها فيما يلي:
_تربية الناشئة على قويم الأخلاق وضرورة احترام الآخر وإكباره.
_تثبيت مقومات الشخصية الوطنية ومواجهة مظاهر التغريب والقيم التي تسربت مع الاستعمار.
_حفظ اللغة العربية وتوثيق الرابط معها.
4) زمن المدرسة: سياقات النشأة وضرورات التطوير
ارتبطت المدرسة في العالم الإسلامي بالانفتاح على التطور الغربي، فالمؤسسة التعليمية الجديدة “المدرسة” هي مؤسسة لصيقة بالاحتكاك مع منتجات الحداثة الغربية؛ فالتوسع الذي قام به الغرب في العالم الإسلامي والعالم الثالث في جمله، لم يكن عسكريًا وحسب، وإنما حاول اصطحاب مؤسساته الثقافية والعلمية، وكانت المدرسة والتدريس بشكله الحديث أحد تلك النماذج التي كان التدريس بها محصورًا على فئة من علية القوم وخاصة أهل الحواضر، إضافة إلى أبناء المستعمرين وأهاليهم ومن على صلة بهم.
كانت العديد من البلدان الإسلامية طرقت إمكانيات اصلاح النظم التعليمية وتطوير البنيات التحتية للمؤسسات وكذا ابتعاث طلاب للدراسة في الغرب من أجل النهوض بأوطانهم، وقد كانت الكثير من البعثات متزامنة أو قبل الاستعمار المباشر للأوطان العربية، لكن المعلوم أن التدخل العسكري إلى جانب تكلس البنيات الثقافية في أوطاننا حالت دون أي محاولات تحديث، حيث التخلف وحده يديم سيطرة الآخر واستدامة مصالحه بالعالم الإسلامي.
وفي الوقت الذي كان يتم إنشاء المؤسسات التعليمية الحديثة كانت المؤسسات التقليدية من كتاتيب وجوامع تعاني نوعًا من الحصار أن لم نقل السعي إلى تفكيكها بإعتبارها مصدر إزعاج ومقاومة، وقد كان هذا النهج معتمدًا مع المؤسسات التعليمية والخيرية ومؤسسة والزوايا التي ناهضت الاستعمار وحاولت الحفاظ على مقومات الشخصية الوطنية والاستقلال الذاتي.
لم يكن تغيير النمط التعليمي مقصورًا على الشكل وحسب فيما له صلة بالبنية التحتية أو تدخل الدولة في تدبير القطاع، وإنما كان الجوهر والمضمون كذلك متوافقًا وطبيعة الانتظارات والآمال المعلقة على هذه الأخيرة، ويكفي الوقوف مع الكثير من الرموز الفكرية الذين ولجوا المؤسسات التعليمية في حينه، حيث أصبحوا قادة لترسيخ التبعية، فعوض أن يعملوا على تجديد مضامين مؤسساتهم ومركباتهم الثقافية والعلمية، كان الارتماء في حضن الآخر خير سبيل للتقدم في نظرهم، وعلى المقابل من هؤلاء نجد ذوي السعي للتجديد والتنوير الذي يقوم بوصل العقل والثقافة الإسلامية بتحديات العصر، لكن الاختلال كان واضحًا بحيث نفذت إلى مضامين النظم التعليمية قيمًا وأفكارًا تقوي النزعة الداعية الى التماهي مع الآخر والارتهان بنماذجه في سبيل النهوض، مقابل تقليص النظم والقيم الحضارية الإسلامية أو حشرها في الزاوية، ويمكن للتأكد من ذلك العودة إلى المناهج التعليمية مرحلة الاستعمار ثم الحقب التي تلتها إبان الاستقلال الذي حظيت به معظم بلدان العالم الإسلامي، ويكفي ان من تبعاته حينها تفكيك النسيج الاجتماعي واستنبات نخب ولاؤها الصريح أو المتخفي للغرب ونظمه ومواقفه أكثر من ولائها للوطن الذي تنتسب إليه وخلفه نظمًا وقيمًا حضارية، بات النظر إليها بإعتبارها عامل تخلف ونكوص عند الكثير.

والحقيقة أن الكثير من الجوانب الثقافية في العالم الإسلامي والأفكار المحشوة في عقول وتراث الأمة هي من قبيل الأفكار الميتة أو القاتلة بتعبير مالك بن نبي، لكن هناك جوانب لا يمكن الاستغناء عنها والتنكر لها، حيث تعتبر من أعمدة النهوض وإعادة البناء من جديد، وفق عملية جدلية تنفتح على منتجات العقل المعاصر بقدر ما تأخذ من الأصيل، وتلك عملية بحاجة إلى عقل ناقد وفاحص قادر على التجديد والمواكبة من خلال الفرز بين القيم والأفكار الحية والقادرة على إعادة البعث من جديد فيتم اعتمادها وإشاعتها، والأفكار الميتة أو القاتلة فيتم تفكيكها وتجاوزها.
كان إصلاح النظام التعليمي ضرورة من الضرورات، والانتقال من النمط التقليدي إلى الأشكال المعاصرة مسألة ملحة لمواكبة التطورات والخلاص من التخلف، فالمؤسسات والنظم الحديثة كما لها من السلبيات من حيث النشأة إلا أنها تتوافق وطبيعة النهوض المنتظر وما يمكن أن يحققه التعليم في شقه العصري المنفتح على أهم ما وصل إليه العقل الإنساني المعاصر، والمدرسة هي غنية بالمعارف ومتجددة في المناهج وطرائق التدريس والتربية وتلقين المعارف والعلوم، مما لا تحتويه الكتاتيب، وقد عرفت المدرسة مراحل عدة من التحديث والتجديد، لكن المسألة التعليمية لما كانت جوهر النهوض، كانت كذلك هي البؤرة التي يتم إعاقتها من أعداء الداخل وخصوم الخارج، حيث حافظت النظم التعليمية على بعض أبعاد الاستعمار والتبعية في شقها الثقافي، وذلك راجع بالأساس إلى عدم استقلالية القرار الوطني وكذا عدم توفر الإرادة من النخب السياسية والنظم الحاكمة لإصلاح التعليم والدفع بالمدرسة للقيام بمهامها، ويكفي للتدليل على ذلك النظر في عمليات إصلاح التعليم والمخاضات العسيرة التي تمر منها، ثم في الأخير نجد بين كل حقبقة وأخرى أننا نتحدث عن إصلاح التعليم والرهان على المدرسة، وحالة المغرب في نهجه لخطط تريد إصلاح التعليم كما سار الآن نموذج حي لذلك، لكن يبقى التعليم رغم كثرة اللغط المثار والحديث المتناثر والخطط المعلنة آخر قطاع يمكن إصلاحه، وذلك لأننا بحاجة أولاً لإصلاح الإرادة السياسية وتقوميها لتكون متساوقة مع التطلعات الكبرى للأمة وخلفها القيم الأصيلة، وذلك كله محط نزاع وصراع وتدخل قوى خارجية لإعاقة أي إصلاح، لأن الإصلاح إن تم حقيقة للمدرسة والنظم التعليمية الحديثة في العالم العربي، فإنه سيكون حقيقة بداية التحرر والاستقلال، وما استقلال الأوطان بداية إلا استقلال للعقل والوجدان عما يكبله، واستقلال للإنسان في جوهره.
إن أزمة المدرسة، حتى لا نغرق بالحديث في النظم والقيم والمعيقات المكبلة لأي تحديث، انتقلت كذلك إلى التمييز بين التعليم الخاص الذي نجد في كثير من مضامينه لا يوافق القيم الحضارية الذاتية ويرسخ طبيعة التناقض بين فئات المجتمع، وهذا نجد له الكثير من المظاهر التي بها هشاشة مرتفعة وفوارق اجتماعية صارخة، ويكفي أن نشير إلى أن مدارس التعليم العمومي قد تجد بها ما يفوق الأكثر من أربعين فردًا في القسم بينما المدارس الخاصة قد لا تتجاوز إثنا عشر فردًا، وفرق كبير في أداء المدرس مع هذا الكم الهائل مقارنة بعدد قليل، وكذلك من حيث المردودية والاستفادة بالنسبة للتلميذ الذي يدرس في الاكتظاظ وتحت زحمة الضغط مع تلميذ يدرس في جو من الهدوء والاستقرار النسبي.
خاتمة:
إن حاجة الأمة ماسة إلى استعادة الدور الهام للكتاتيب القرآنية إلى جانب الاعتناء بالمدرسة العمومية والتعليم الحكومي، فكلاهما مقوم من مقومات النهوض المستند إلى التعليم، وأي تعليم حديث لا يراعي البعد القيمي والحضاري للأمة هو أعرج ووبال على الأمة، وأي نوع من الكتاتيب والمؤسسات التي تعنى بتدريس المعارف الإسلامية وتحفيظ القرآن وتعليم علومه والنظم الحاضنة لذلك التعليم إن لم يطلها التجديد والتطوير تبقى حاضنة من حاضنات التخلف، لذلك يبقى النهوض متحقق من خلال تأصيل المنقول كما يقول الفيلسوف طه عبدالرحمن وتحديث المأصول من المعارف والعلوم وكذا المؤسسات.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك