من المؤهل ليكون باحثًا علميًا؟

17 يونيو , 2016

عندما يذكر مصطلح “البحث العلمي” تتبادر للذهن أنساق معرفية، تشمل في الأساس ماهية البحث العلمي ومناهجه وأدواته التخصصية، والحق أن هنالك أساسًا لابد من إرسائه قبل كل ذلك، يتعلق بمهارات عملية لازمة لأي متعلم، ومن باب أول مشتغل بالبحث العلمي.

هذه العُدة من امتلك زمامها فهو بالضرورة مؤهل كباحث علمي، وإن لم يكن اختصاصه الوظيفي كذلك، والأصل أن ينشأ المتعلم على هذه المهارات في مراحل التعلم الأولى لتكون له من بعد طبعًا ودأبًا، لكن ذلك لا يمنع من اكتسابها بالتعلم الذاتي لاحقًا، إلا أنها ستتطلب مجهودًا وصبرًا أكثر.

1. المنهجية في التصفح:

تصفح الكتب والمراجع لتقييمها والتخير بينها ليس مجرد تقليب الصفحات والنظر في بعض السطور! بل هو “منهجية”، ومنهجية بمراحل حسب الهدف الذي تطلبه من التصفح، يستوي في ذلك أن تكون قارئًا ذاتيًا أم باحثًا علميًا أم دارسًا أكاديميًا، لذلك لا غنى عن سؤال نفسك قبل الشروع في أي تصفح: لماذا أقرأ؟ وقد استوفينا هذا السؤال في مقال سابق، أما عن أنواع التصفح، فهي:

– المسح السريع: وهو التصفح لتقييم مدى حاجتك للمادة أو إمكانية انتفاعك بها، فتبدأ بمطالعة العناوين في الفهرس، ثم تختار عنوانًا عندك فيه خلفية تمكنك من التقييم، أو استشكال يدفعك لطلب جواب، وتشرع في تصفح ذلك العنوان، بقراءة الفقرة التمهيدية، ثم الجملة التمهيدية والختامية لكل فقرة بعد، بحيث تكون تصورًا كليًا عن مدى ترابط الأفكار وسلاسة أسلوب الكاتب وكذلك مدى ثراء المادة وكفايتها لحاجتك.

– الاستخلاص السريع: بغرض طلب معلومة معينة من مكان ما في المادة، وتعتمد هذه المنهجية على الكلمات المفتاحية المقترنة بموضوعك أو غرضك.

– القراءة المتأنية: للمواد أو المراجع التي تثبتّ من حاجتك لها وكفايتها لك، فتقرؤها بتأن، وتحرص على متابعة الفكرة الرئيسية لكل فقرة، وتدوين ملاحظاتك أو خلاصاتك حولها.

– التفكر الختامي: بعد انتهاء القراءة المتأنية تمامًا، تنظر في خلاصاتك وتجمع بينها بما يناسب غرضك كباحث أو متعلم لموضوع.

2. التجرد للحق:

وهو المصطلح الأصيل في ديننا وثقافتنا لمفهوم “الموضوعية”، فالموضوعية بمعنى “الحياد العلمي” لا وجود لها، لأن العقل “المحايد” لا وجود له بداية، فالعقل ليس عضوًا وظيفيًا منفصمًا في الهواء، بل هو مركب في كيان متكامل من الفكر والشعور والخبرات، وبالتالي لابد أن يصطبغ به قطعًا، ويظل لذلك الاصطباغ أثر وبصمة مهما ظن صاحبه أنه تخلص منه أو أنه “محايد”، لكن الموضوعية بمعنى التجرد للحق متى ثبت بالبراهين الصائبة، يعني تغيير التوجه العقلي من وجهة كان صاحبها يظنها الصواب إلى أخرى اتضح أنها الصواب أو الأصوب، فهذا التجرد لا ينفي كون المتعلم أو الباحث ذا توجه معين، لكنه مبدأ يحثه على الجمع بين عدم التصلب الأعمى وفي ذات الوقت عدم التذبذب والجري وراء كل ناعق قبل التثبت.

ولعل مقولة عباس العقاد توضح الفارق بين هذين بجلاء: “العناد والثبات على الرأي نقيضان: العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه، والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه”.

3. التفكير التحليلي لا التكتلي:

وتعني المهارة الفكرية في تحويل فكرة عامة إلى تفاصيل أدق وجزئيات أكثر ثراء، وكذلك الجمع بين الأفكار المتناثرة في تسلسل مترابط طالما كانت تنتمي لسياق متقارب قابل للجمع بداية، وهذه المهارة تبدأ أول ما تبدأ في التعاملات الشخصية قبل الأوراق العلمية، بل في نمط تعامل الفرد مع ذاته أولًا! فمن لم يكن هذا ديدنه الفكري، يتعثر كثيرًا عن محاولة تكلفه أثناء البحث العلمي، ويظهر جليًا من بين الأوراق أن الأفكار ملصقة بالغراء بدل أن تنساب باتساق، كيف ذلك؟

بأن تعتاد “محاورة” ذاتك ودواخلك، لتقف على جذور ما يعتمل في صدرك من فوضى شعورية، بدل أن تتركها تسيطر عليك وتسيرك، بالاستسلام للأحاسيس والتعبيرات الهلامية من قبيل “مزاجي متعكر”، “صدري ضيق”، “أشعر بقلق وهواجس”.. إلخ. التفكير التحليلي يعني أن تبدأ في تحليل هذه الكتل الشعورية بأسئلة تجلو ضبابها وتنظم فوضاها: لماذا أشعر بذلك؟ ما هي هذه الهواجس؟ هل بيدي حل عملي لها؟ إذا لم يكن بيدي حل عملي فالقلق ليس حلًا ولن يقدم أو يؤخر.. وهكذا.

وينطبق نفس المبدأ في الحوار والنقاش مع الآخرين، بأن تحلل كل محور إلى مجموعة بنود يرد عليها واحدًا واحدًا، بدلًا من الصياح في نفس النفس بغير الوصول لشيء لأنه لم يحدد شيء بداية! وكذلك في إصدار الأحكام التعميمية المطلقة على شخصيات الآخرين، واختزالهم في صفة أو صفتين! وخير مثال توضيحي لذلك أسلوب المقارنة الشائع في المدارس وبين الإخوة، وهو من أسوأ الأساليب في التعليم وأبعدها عن القيمة التربوية،  لأن نموذج “الطالب المثالي” أو “الأول” أو غيرها من “أفعل” التفضيل ترسل رسائل نفسية لغير الفائزين بها بأن ذلك الفرد أو الأفراد الفائزين قد احتكروا أسباب الفضائل، وبالتالي لم يعد لهم سوى القوالب العكسية من الفوضى والمشاغبة أو البلادة والكسل! ومن ثم يتجهون لترسيخ هذا الصفات السلبية في أنفسهم من باب “العناد” تارة ، ومن باب اللامبالاة والاكتراث تارة أخرى ، والمنشأ في كلتا الحالتين هبوط نفسي في استشعار قيمة الذات كفرد أكرمه الله بالوجود وامتحنه به ، وفي استشعار أواصر الترحاب والانتماء الاجتماعي الذي يشجع الفرد أن يسمو بفرديته لصالح المجموع – الذي هو منهم.

أما الأسلوب التربوي النبوي فنجد أنه يقر لكل فرد بميزته، ويحلل كل شخص على أنه نسيج وحده، فإذا طالعت كتابًا من كتب فضائل الصحابة، تكاد تشعر أن كل واحد هو “الأفضل”، وهذا مما يجعل النفوس تشعر بالتكاملية السوية دون حسد ولا غل، وتستجيش حس التعاون غير المتكلف .

4. اليقظة لتشكيل البنية الفكرية:

البنية الفكرية هي الطبع العقلي للفرد، فمن اعتاد – مثلًا – القراءة بلا منهجية، والمطالعة بغير استخلاص، وتشرب الأفكار دون العناية بنسق الفكر، يصعب عليه التحول من الفوضى المعرفية للبنائية العلمية، فالبنائية في العلم تعني أنه لا شيء مما يسعى المتعلم لتعلمه هو للمعرفة “والسلام”، وإنما هو يسير وفق منهجية ومراحل متدرجة في العلم وبالتالي يكون جل ما يكتسبه يبني على بعضه، فيرسخ علمه؛ وفوق ذلك يتشكل طبع عقله ليكون بنائيًا منظمًا الفكر، كأنه تمامًا أدراج خزانة معارف مفهرسة، كما تناولنا في هذا المقال بالتفصيل.

لذلك فالنمط المعرفي السائد متمثلا في كبسولات الفيسبوك ومواقع المختصرات وشذرات الحكم، على ما فيه من فائدة لا تنكر، إلا أنه وحده وعلى المدى البعيد لا يصنع عالمًا راسخًا ولا يبني فكرًا منظمًا، وهذا يقودنا مباشرة للبند التالي:

5. الصبر على الرسوخ في العلم:

لا يجتمع عالم وعجلة! والكثير من الطامحين لاتساع الأفق وموسوعية المعرفة تجدهم يركزون على الكم أكثر من الكيف، وعلى سرعة الانتهاء أكثر من جودة الأداء، وبالتالي تنتهي قوائم القراءات والمراجع، لكن يظل نموهم العقلي غير متواكب في عمره مع مقدار ما أنهوه، وإذا حاورتهم تشعر بأن لديهم “شيئًا مختلفًا” عن الجاهلين، لكنه لا يكفي ليرتقي بهم عن مرتبة السطحيين أو أصحاب “من كل بستان زهرة” .

فالذي لا صبر له على العلم وطول القراءة، والذي لا يطيق المراجع الضخمة ولا يتحمل أكثر من ملخصات في بضع ورقات، كيف يطمح لأن يكون باحثًا ناهيك أن يكون علميًا؟!

وفي ذلك يقول عباس العقاد: “أنصاف المتعلمين لا الجهل دفعوا ولا بقليل العلم انتفعوا!”


مراجع حول منهجية الكتابة العلمية:
http://www.adelaide.edu.au/learning
http://www.uhv.edu/studentsuccesscenter/handouts.aspx
https://owl.english.purdue.edu/owl



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك