مواهب وذكاءات الطلاب.. كيف تصنف مهارات التفكير والإبداع؟

18 نوفمبر , 2015

تفيد دراسة أردنية حول “أساليب الكشف عن الموهوبين ورعايتهم”، بأن “المدرسة في الدول المتطورة والدول النامية – على حد سواء- تواجه تحديات غير مسبوقة تفرضها التغيرات المتسارعة في مجالات الاتصالات والعولمة والنظام العالمي الجديد الذي بدأت معالمه تتشكل في بداية العقد الأخير من القرن الماضي”. وتشير إلى أن المدرسة “تتعرض لضغوطات هائلة كي تطور برامجها حتى تستجيب لاحتياجات طلبتها المستقبلية، التي تتلخص في كيفية إعدادهم للتعامل مع هذه التغيرات التي تكاد تطال جميع جوانب الحياة المعاصرة، ومن جهة أخرى ينبغي أن تستجيب لمتطلبات تنمية المجتمع بمختلف أشكالها”.

يرى الباحث “فتحي عبد الرحمن جروان”، والدكتور في جامعة عمان العربية للدراسات العليا/ الأردن، معد الدراسة، بأن “التغير ظاهرة ملازمة لحياة المجتمعات والأفراد على اختلاف الأزمنة والأمكنة، فإن الدعوة للإصلاح المدرسي والتطوير التربوي تمثل استجابة طبيعية بل وضرورية لضمان توفير متطلبات التنمية والتطور التي تُعد الموارد البشرية أهم عناصرها وأدواتها، فكيف إذا كانت التقديرات في بلادنا تشير إلى أن ثلث عدد السكان وربما أكثر على مقاعد الدراسة؟”.

وتشير الدراسة، إلى “أن الباحث المتتبع لحركات الإصلاح المدرسي والتطوير التربوي في الدول المتقدمة ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، يجد أن قضية الكشف عن الطلبة الموهوبين ورعايتهم، وتوجيه الإهتمام لتطوير مناهج وأساليب تدريس الرياضيات والعلوم، كانت ولا تزال تتصدر قائمة الأولويات في مشروعات الإصلاح وخطط التطوير، وربما كان ذلك مستنداً إلى قناعة راسخة بأن الصراع في الحاضر والمستقبل هو في حقيقة الأمر صراع عقول تشكل العصب الرئيسي لصناعة المعرفة المعلوماتية والتقنية وإدارتها وتوظيفها”.

وفي ضوء ما تقدم، يعتقد الباحث، بأن “أحد المحاور الرئيسية لعملية الإصلاح المدرسي في بلادنا لا بد أن يتركز حول موضوع الكشف عن الموهوبين أولًا، ثم البحث في أفضل الأساليب لرعايتهم ثانيًا، وذلك لتمكين مجتمعاتنا من الانخراط مع غيرها من المجتمعات المتقدمة دون أن تذوب فيها وتفقد هويتها الثقافية والحضارية”.

smart-students

مفهوم الموهبة والتفوق:

وتستعرض الدراسة، التطور التاريخي لمفهوم الموهبة والتفوق، وتشير إلى أنه يمكن التمييز بين أربع مراحل متداخلة – إلى حد ما – ولا تزال تلقي بظلالها بصورة أو بأخرى على الاتجاهات السائدة في الدوائر الأكاديمية والمؤسسات التربوية التي تقدم خدمات للطلبة الموهوبين في دول مختلفة، وتضم هذه المراحل:

1) مرحلة ارتباط الموهبة والتفوق بالعبقرية كقوة خارقة خارج حدود سيطرة الإنسان.

2) مرحلة ارتباط الموهبة والتفوق بالأداء المتميز في ميدان من الميادين التي يقدرها المجتمع في الحضارات المختلفة كالفروسية والشعر والخطابة.

3) مرحلة ارتباط الموهبة والتفوق والعبقرية بنسبة الذكاء المرتفعة كما تقيسها اختبارات الذكاء الفردية، وقد بدأت هذه المرحلة عمليًا مع ظهور اختبار ستانفورد بينيه في العقد الثاني من القرن الماضي.

4) مرحلة اتساع مفهوم الموهبة والتفوق ليشمل الأداء العقلي المتميز، والاستعداد أو القدرة على الأداء المتميز في المجالات العقلية والأكاديمية والفنية والابداعية والقيادية.

وتلفت الدراسة، إلى أن المرحلة الأخيرة، أخذت تتبلور خلال الثلث الأخير من القرن الماضي مع ظهور أول تعريف معتمد من وزارة التربية الأمريكية عام 1972، وينص على ما يأتي: “الأطفال الموهوبون والمتفوقون هم أولئك الأطفال الذين يقدمون دليلًا على  اقتدارهم على الأداء المرتفع في مجالات القدرة العقلية العامة والتفكير الإبداعي والقدرة القيادية، والاستعداد الأكاديمي الخاص والفنون البصرية والأدائية، ويحتاجون خدمات وأنشطة لا تقدمها المدرسة عادة، وذلك من أجل التطوير الكامل لمثل هذه الاستعدادات أو القابليات”.

وتشير الدراسة إلى أن “مفهوم الذكاء اتسع خلال العقود الثلاث الماضية بصورة غير مسبوقة، ووجدت النظريات الجديدة طريقها إلى التطبيق في المدارس، ولم يعد ممكنًا أن يتجاهل العاملون في الميدان أو القائمون على مشاريع الإصلاح المدرسي هذه النظريات التي تنطوي على تضمينات مهمة في مجال الكشف عن الموهوبين ورعايتهم”.

ومن هذه النظريات: “نظرية الذكاءات المتعددة” وتطبيقاتها التربوية، وحول هذه النظرية يعتقد أستاذ المناهج المشارك بجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية “إبراهيم بن عبد الله الحميدان” بأنّ أغلب الحركات التربوية الحديثة تعطي اهتمامًا عامًا لتنمية قدرة التعليل لدى الطلاب، خصوصًا الأنماط التحليلية للتفكير النقدي. مشيرًا إلى أن هناك اهتمام حديث بتطوير الذاكرة ومهارات الملاحظة نتيجة للتقدم في مجال الحاسب الآلي وتقنيات التعليم. لافتًا إلى أن الانبهار بالمخ وتنظيمه العصبي نبه إلى وجود عناصر جديدة للإدراك وفتح المجال أمام تساؤلات مغايرة حول أبعاد الذكاء المركب.

ويرى “الحميدان” بأن نظرية الذكاءات المتعددة، تعتبر ثورة بحق على الدراسات التقليدية للذكاء، وجعلت النظرة إلى الذكاء أكثر عدلًا، حيث تجاوزت هذه النظرية التركيز التقليدي للذكاء على جوانب دون أخرى.

smart-student

عن نظرية الذكاءات المتعددة:

توصل عالم النفس الأمريكي “هوارد غاردنر”، عام 1983م، لنظرية جديدة أطلق عليها نظرية الذكاءات المتعددة؛ حيث تختلف هذه النظرية عن النظريات التقليدية في نظرتها أن الذكاء الإنساني هو نشاط عقلي حقيقي وليس مجرد قدرة للمعرفة الإنسانية، ولذلك سعى في نظريته هذه إلى توسيع مجال الإمكانات الإنسانية بحيث تتعدى تقدير نسبة الذكاء.

ويلخص بحث “نظرية الذكاءات المتعددة وتطبيقاتها التربوية” والذي أعده أستاذ المناهج لسعودي “إبراهيم الحميدان” نظرية “غاردنر” حول القدرات التي يمتلكها الناس، المتمثلة بثمان ذكاءات هي:

– الذكاء اللغوي: وهو القدرة على التعبير عن النفس والأفكار والمواقف، والقدرة على ترتيب عرض المعاني والكلمات، وهؤلاء الطلاب الذين يظهرون تفوقًا في فنون اللغة كالاستماع والكلام والقراءة والكتابة، وهم الذين يسيطرون على أذهان مصممي المناهج، وهم الذين يعتبرهم المعلمون متفوقين في النظام التقليدي القائم.

– الذكاء المنطقي (السببي) الرياضي: وهو القدرة على التعامل مع الرياضيات والمسائل المنطقية المعقدة، وهؤلاء هم الطلاب الذين يظهرون تفوقًا في التعامل مع الأرقام وتفسير وتحليل وحل المشكلات، وهم مع سابقيهم (أصحاب الذكاء اللغوي) يتمتعون بالإشباع والتعزيز في التعليم التقليدي القائم.

– الذكاء البصري المكاني: وهو القدرة على الاستيعاب عن طريق الصور وتشكيلها، والقدرة على استيعاب العالم المرئي بدقة وإعادة تشكيله بصريًا ومكانيًا في الذهن أو على الورق كما نراه لدى التشكيليين والمعماريين والمصممين، ويميل هؤلاء إلى أن يروا ما يحدثهم المعلم عنه ليفهموه، وهم يستمتعون في تعلمهم باللوحات التوضيحية والأشكال البيانية والخرائط والجداول والعروض والصور.

– الذكاء البدني الحركي: وهو القدرة على استخدام الجسم استخدامًا ماهرًا للتعبير عن النفس أو تجاه هدف محدد، أو القدرة على تنمية المهارات البدنية الحركية، ويستفيد الأذكياء في هذا النمط من الأنشطة والألعاب الحركية، والمهام اليدوية، والتركيبات الحسية، ويوصف هؤلاء الطلاب عادة في حجرات الدراسة التقليدية بأنهم غير منضبطين حركيًا.

– الذكاء الإيقاعي النغمي: وهو القدرة على فهم وتركيب الأنغام والإيقاعات، وهؤلاء يفهمون أفضل من خلال الغناء والإنشاد والترنيم والتعبير الموسيقي والآلي، ويشمل هؤلاء الموسيقيين والملحنين والمنشدين.

– الذكاء التأملي: ويتجلى في فهم الطالب لنفسه ومشاعره وأفكاره وقيمه الذاتية، والأذكياء في هذا النمط يظهرون الميل إلى المحافظة الاجتماعية، إلا أنهم حساسون متنبهون لما يتعلمون لعلاقة ذلك بذواتهم. ومن هؤلاء كُتّاب القصة والرواية، والاستشاريون النفسيون.

– الذكاء الاجتماعي (التواصلي): وهو القدرة على إدراك وفهم الآخرين، أمزجتهم وأذواقهم ورغباتهم، والقدرة على التواصل وإقامة العلاقات. وهؤلاء يتعلمون بالتعاون في المجموعات أو مع الشركاء، وهم الذين اعتاد المعلمون في التدريس التقليدي اتهامهم بالثرثرة وكثرة الكلام.

– الذكاء الطبيعي: وهو القدرة على معرفة وتصنيف النباتات والحيوانات والمعادن، والقدرة على التقاط الفروق الدقيقة بين الأشياء، وهؤلاء يحبون التعلم واكتساب الخبرات خارج قاعات الدرس من خلال الرحلات الاستكشافية والبرية.

ومن خلال استعراض الذكاءات الثمانية السابقة، يلفت أستاذ المناهج السعودي، إلى أن الإجابة قد تبدو أكثر وضوحًا في عملية تصنيف الأشخاص، فهنالك من تظهر الموهبة أو الذكاء لديه في المجال الحركي وآخرون تبدو جلية في الذكاء اللغوي بينما فئات أخرى تتميز في الجانب المنطقي…إلخ. وهذا يجعل الحكم بالفشل أو النجاح على فرد أو مجموعة أفراد لعجزه عن تحقيق النتائج المرجوة في جانب معين فيه نوع من التحيز ومحاولة قولبة جميع الأفراد في قالب واحد.

وبحسب ما توصل إليه أستاذ المناهج السعودي، فإن هذه النظرية أثبتت نجاحات عدة رغم ما يوجد عليها من تحفظات من قبل البعض. ويشير إلى أن دراسة أجريت في بيئة تعليمية قائمة على مجموعة طلاب لمعرفة مدى فائدة هذه النظرية في تشكيل الاستراتيجيات التعليمية وتطوير المناهج والطرق المختلفة للامتحانات مع طلاب اللغات بينت أنهم يحققون نتائج أفضل عند تطبيق مبادئ هذه النظرية عليهم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك