ميزانية التعليم بين المغرب واليابان

16 أكتوبر , 2015

يقاس تقدم الدول من تأخرها بالموقع الذي يحتله التعليم وسياستها التعليمية، ضمن سياساتها العامة واختياراتها الاستراتيجية، وبالنظر إلى التجارب التعليمية في سياقنا المعاصر يمكن أن نقيس جملة منها، فنحكم على الدول المتقدمة بكون التعليم رهانها الاستراتيجي في التقدم والنهوض، بالنظر إلى المكانة التي يشغلها وكلفة الميزانية والرؤى الحاكمة له، بحيث تكون الميزانيات المرصودة لقطاع التعليم جداً مرتفعة مقارنة بباقي القطاعات كما أن الرؤى والنظم البيداغوجية تكون متلائمة مع الخصائص الثقافية والنظم القيمية وتستجيب لمتطلبات العصر.

بمقابل ذلك نجد الرهان على التعليم في الدول المتخلفة شبه منعدم، لدرجة أن الحسن الثاني يومًا اعتبر أن نشر التعليم لم يخرج سوى المعارضين من اليساريين والإسلاميين، وبناءً على على هذا التخوف من موضوع التعليم باعتباره جوهر الوعي الذي يمكن أن يكون مدخلاً للتحرر من الاستبداد والتخلف.

يترتب عن ذلك ميزانيات وحيدة لقطاع التعليم إلى جانب التعثر في المناهج والنظام البيداغوجي الذي يعتبر العالم الثالث حقل تجارب لها، فما نكاد ننتهي من حديث عن الإصلاح وصوغ برامج لذلك حتى تنطلق دعاوى أخرى من الجهات الرسمية للحديث عن إصلاح التعليم وإصلاح الإصلاح، هكذا هو حال المغرب باعتباره أحد الدول المتخلفة التي يعاني نظامها التعليمي أزمة مزمنة نظراً لغياب الإرادة السياسية للدولة في ذلك، في مقابل اليابان التي سنقارنها بالمغرب في موضوع الميزانية، وشأن اليابان لا يختلف عن كل الدول المتقدمة..

فما هي ميزانيات التعليم في كل من اليابان والمغرب؟ وما الفروق بينهما إلى جانب أثر ذلك على التقدم في كل من البلدين؟

أولاً: ميزانية التعليم في المغرب

قام المغرب بمراجعة تقويمية لتطبيق ميثاق التربية والتكوين الذي اعتمده بدءاً من سنة 2000، وهو الميثاق الذي كُلفت لجنة خاصة لوضعه بغاية النهوض بقطاع التربية والتكوين، لكن بوادر إخفاق ميثاق التربية والتكوين كانت مبكرة، فتم إقرار المخطط الاستعجالي منذ سنة 2009 لتجاوز الاختلالات الحاصلة في تنزيل الميثاق في ثلاث سنوات، غير أن مقاربة المخطط الاستعجالي كانت مقتصرة على الجانب اللوجيستي والمالي دون أن تنفذ إلى طبيعة الأزمة التي يعانيها نظام التربية والتكوين، وهي أزمة بيداغوجية أساساً إلى جانب الإنفاق الذي سيشهد ارتفاعاً مع المخطط الاستعاجلي دون ترشيد للنفقات، والقراءة المختزلة لأزمة التربية والتكوين في الجانب المادي واللوجيستي هو ما سيجعل الإنفاق يرتفع في سنوات المخطط بشكل نوعي على ما قبله من سنوات العشرية الأولى من تطبيق الميثاق.

بالنظر إلى إخفاق تنزيل ميثاق التربية والتكوين وغياب رؤية استراتيجية للنظام التعليمي بالمغرب، سنكون على موعد مع تقييم متأخر من “المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي” في تقرير تحليلي صدر عن المجلس باسم “تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000/2013 ..المكتسبات المعيقات التحديات”.

أشار تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في تقريره معطيات دقيقة عن حجم الإنفاق ومستوياته على قطاع التعليم طيلة 13 سنة من تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وحسب التقرير، قد “ارتفعت الميزانية المخصصة للتعليم المدرسي والتعليم العالي والتكوين المهني بأكثر من 37 مليار درهم بين سنة 2001 وسنة 2011؛ إذ انتقلت من 24.8 مليار درهم سنة 2001 إلى 61.7 مليار درهم سنة 2011، وفي المتوسط، ارتفعت الميزانية المرصودة لنظام التربية والتكوين بنسبة 7.15 ٪ سنوياً خلال الفترة الممتدة بين سنة 2008 و 2013، وعرف ذلك الارتفاع أوجه بين سنتي 2008 و2012 (11 ٪ سنوياً) وهي الفترة التي تم فيها تنفيذ المخطط الاستعجالي، غير أن هذا المجهود التمويلي سيعرف تراجعاً كبيراً سنة 2013 ليبلغ 56.7 مليار درهم“(التقرير، ص: 16).

ويشير التقرير في مقارنته للميزانية “الإجمالية المخصصة لنظام التربية والتكوين قياساً إلى الثورة الوطنية (الناتج الداخلي الخام) أعلى مستوياته سنتي 2010/2011 حيث تجاوز 7.7٪ لكنه انخفض بنقطة واحدة 2013 ليصل إلى 6.6 ٪” (التقرير، ص: 17).

إن المغرب في السياق الحالي، وبعد سنتين على صدور التقرير التقييمي لتطبيق ميثاق التربية والتكوين، وتعيين 92 عضواً بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث، وهي المؤسسة التي منحت إمكانية النظر في قضية التعليم بعد مشاورات مع المعنيين بالقطاع في دورات متعددة، والتي أسفرت عن رؤية استراتيجية بين سنتي 2015/2030 وضعت بين يدي الملك وينتظر أن تسفر عن إصلاحات داخل النظام البيداغوجي والنظام التعليمي برمته، وفي انتظار الشروع في التنزيل الإجرائي للخطة الاستشرافية التي تشوبها الكثير من الاشكالات، لم تتجاوز حجم الإنفاق الذي كان معتمداً، حيث عرفت ميزانية التربية الوطنية والتكوين المهني ارتفاعا بنسبة 0.73 ٪ عن سنة 2014 ليكون التمويل الاجمالي مقدار 46 مليار و319 مليون درهم.

ويبقى التمويل الإجمالي لنظام التربية والتكوين بالمغرب عاجزاً عن تطويره والدفع به للأمام الى جانب باقي المعيقات التي يتعثر فيها القطاع.

ثانياً: ميزانية التعليم في اليابان

إن مجرد مقارنة دولة عربية مثل المغرب يعاني اختلالات في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ويعرف تخلفاً في مجموعة من المستويات، فمجرد مقارنته باليابان قد يثير الكثير من الاستغراب، لكن يبقى استيفاء التجارب من الأمم المتقدمة والنظر في حجم انفاقها على التعليم في مقابل شح الإنفاق في وطننا العربي، يدفع إلى إعادة التفكير في السياسات التعليمية ببلادنا، بحيث يكون الاستثمار أساساً في النظام التعليمي والذي يكون مؤداه الإستثمار في العنصر البشري، فنهضة اليابان منذ النشأة تختلف عن نظيراتها في العالم في جملة من الجوانب وتتطابق معها في جوانب أخرى، لكن اليابان انتبهت بدايةً أن الانخراط في التحديث والنهضة يكون بالعناية بقضية التعليم والثقافة وحامل الثقافة والتعليم هو الإنسان (أنظر مقالتنا مركزية التعليم في النهضة اليابانية الحديثة على شبكة زدني).

من هذا المنطلق وبالنظر لحجم تطور اليابان واقتصادها الذي يعد من الاقتصاديات الكبرى في العالم، فإن الإنفاق على التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا في سنة 2014 من طرف الحكومة اليابانية بلغ 5.44 تريليون ين، من أصل ميزانية مشروع ميزانية الدولة الذي وصلت قيمته 95.88 تريليون ين، أي ما يقارب 920.16 مليار دولار أمريكي.

ختاماً وحين المقارنة في الأرقام بين كل من اليابان والمغرب رغم عدم توفر الأرقام الكافية للنظر لحجم إنفاق اليابان على التعليم بشكل تسلسلي وحسب التطور الزمني، فإن معطى حجم الإنفاق لسنة واحدة ومقارنته مع إنفاق المغرب على التعليم، يعرف لنا عن قرب لم تتصدر الجامعات اليابانية القائمة في أولى الجامعات في التصنيفات المعتمدة، في مقابل عدم وجود جامعات مغربية، كما أن الأرقام والتي تجعل حجم إنفاق اليابان يضاعف حجم إنفاق المغرب على التعليم عشر مرات تقريباً وكل ميزانية الدولة المغربية مجملة لسنة واحدة، هذه الأرقام تقرب حقيقة التخلف الذي يستند على الأزمة المزمنة في النظام التعليمي وخلفها تعثر في النظام الاقتصادي والإجتماعي والسياسي، بمقابل تقدم اليابان ونهضتها في مختلف القطاعات.

فاليابان غير متخوفة من التعليم، ولا التعليم الياباني خاضع للشروط الدولية والتخوفات الخارجية بالرغم من السياقات التي مرت منها الدولة مع الحرب العالمية الثانية، هذه الإستقلالية في القرار والإرادة للنهوض هي ما تعوز المغرب ودولاً كثيرة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك