“نظام الحَدِّ من العنف” في المدارس الفلسطينية تساهُلٌ مع الطالب الْمُذْنِب؟ أم خللٌ في التطبيق؟

20 سبتمبر , 2017

 

عملت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية قبل 4 سنوات على وضع قانون ينظم ويضبط العقوبات والإجراءات التي يتم اتخاذها بحق الطالب الذي يرتكب مخالفة داخل أسوار المدرسة، هذا القانون اعتبره بعض المختصين بأنه متساهِلٌ مع الطالب، ويَحُدُّ من هيبة الأستاذ ويقيِّد حركته في ضبط الفصل، ولا يؤدي الغرض المرجو منه، فيما رأى واضعوه أنه قانون عصري، متطور ومناسب إذا ما طُبِّق بصورة صحيحة ومتدرجة وفق ما هو منصوص عليه.

 

هذا القانون الذي انتهت وزارة التربية والتعليم من صياغته عام 2013، بتكلفة إجمالية بلغت حوالي 2.5 مليون شيكل (700 ألف دولار) بدعم من اليونيسيف، أطلقت عليه الوزارة اسم “سياسة الحَدِّ من العنف وتعزيز الانضباط المدرسي”.

 

أهداف وغايات هذا النظام

مدير عام التعليم العام في وزارة التربية والتعليم الأستاذ أيوب عليان، تحدث لـ “شبكة زدني” عن هذا القانون، فقال: “نظام سياسة الحد من العنف أو ما كان يعرف قديمًا بقانون “الانضباط المدرسي” يتحدث عن كيفية التعامل مع المشاكل والمخالفات والتجاوزات التي تحدث داخل المدارس الحكومية، سواء كانت بين الطلاب أنفسهم أو بين الطلاب والأستاذة”.

وأردف: “أشرف على إعداد هذا النظام أربعة أقسام تابعة لوزارة التربية، وهي: الإدارة العامة للإرشاد التربوي والإدارة العامة للصحة والإدارة العامة للتعليم العام وإدارة النشاطات المدرسية”.

وعن الهدف من إقرار هذا النظام، أشار أيوب عليان إلى أن: “الغاية الأساسية منه هي الحد من العنف والعنف المضاد، سواءً كان لفظيًّا أو جسديًّا داخل المدارس – حيث شهدت السنوات الأخيرة ازديادًا في حالات العنف لأسباب مرتبطة بالوضع الأمني والسياسي والاقتصادي غير المستقر في فلسطين، وهو ما انعكس على الواقع الاجتماعي بالمحصلة- وجعل المدرسة بيئة آمنة ومستقرة، يستطيع الطالب فيها تلقي تعليمه دون أي معيقات، من خلال وضع دليل للانضباط المدرسي.”

وتابع: “في البداية تم تطبيق هذا النظام أولًا في مدارس ضواحي مدينة القدس عام 2010، وتم اختيار هذه المنطقة لكونها لا تتبع أمنيًّا لسيطرة السلطة الفلسطينية، وتنتشر بها ظاهرة المخدرات وسرقة السيارات، ولأن هذه المنطقة تتعرض لعنف منظم من قبل سلطات الاحتلال.”

نظام يُبَدِّد هيبةَ الأستاذ

اعتبر المختص في الشؤون التربوية والتعليمية الأستاذ مخلص سماره من ناحيته هذا القانون بأنه: “يصب بشكل عام في مصلحة الطلاب، ويسعى لتوفير الظروف النفسية لهم” مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن: “بعض نصوصه فُهمت وفُسِّرت من الطلاب وأولياء أمورهم بشكل خاطئ.”

ويقتبس مخلص سماره من هذا القانون؛ فيقول: “على سبيل المثال جاء في هذا النظام: يُمنع الأستاذ أو مدير المدرسة من استخدام العقوبات التي تؤدي إلى تطوير اتجاهات سلبية لدى الطالب نحو المدرسة والتعليم، كالعقاب البدني أو توقيف الطالب في الصف أو أمام مكتب المدير لفترة زمنية تزيد عن حصة أو تحقيره أمام الغير أو حجزه في الصف أو في غرفة خاصة كالمستودع، أو حرمان الطالب من تناول وجبات الطعام أو تخفيض العلامات كعقوبة لسلوك غير مرتبط بالامتحان أو إيقافه تحت الشمس أو المطر أو العقاب الجماعي بسبب مخالفة فردية ارتكبها أحد الطلبة، كما يمنع إخراج الطالب من الصف وحرمانه من التعليم إلا في حال أعاق سير الحصة وبعد موافقة مدير المدرسة”.

 

وأكمل: “مثل هذا النص وغيره نجد أنه قيَّد الأستاذ ومدير المدرسة، ومنعَهما من تنفيذ أي عقوبة بحق الطالب المخالف، وهذا أدَّى لتمادي “المشاكسين” في مخالفاتهم، وهو ما انعكس في النهاية على هيبةِ المعلم وقوة شخصيته، وردْعِه وضبطه للفصل الدراسي، وهذا كلُّه نَجَمَ عنه تراجع في النظام التعليمي بشكل عام في فلسطين”.

 

وأوضح مخلص سماره خلال حديثه مع مراسل “شبكة زدني” أن: “هذا القانون يتسم بأنه يوقع العقوبة بشكل تدريجي ومتساهل أحيانًا مع الطالب المذنب، فعلى سبيل المثال لا يحق لإدارة المدرسة فصل أي طالب مهما كانت جريمته كبيرة إلا بعد موافقة وزير التربية والتعليم شخصيًّا”.

لافتًا إلى أن: “أقصى عقوبة يمكن إيقاعها على الطالب هي النقل سواء كانت داخل مدارس المحافظة أو خارجها، وحتى هذه العقوبة لا تنفذ إلا بعد استنفاد جميع العقوبات الأخرى المتمثلة بالإنذار الأول والثاني وخضوع الطالب لمجلس ضبط يضم أستاذة من المدرسة وممثلين عن مجلس أولياء الأمور.”

ونوّه مخلص سماره إلى أن: “هذا القانون جاء متساهلًا مع الطلاب استجابةً لاشتراطات الدول المانحة الأجنبية التي تدعم وزارة التربية والتعليم، مطالبًا بإعادة النظر في نصوصه وتعديله بحيث يحقق التوازن بين كرامة الطالب وهيبة الأستاذ وحمايته”.

 

لا وجودَ لِتَدَخُّلاتٍ خارجيةٍ

نفى أيوب عليان من جهته وجود أي تدخل من طرف الدول المانحة حين وضع هذا النظام، قائلًا: “لم يكن هناك أي إملاءات أو ضغوطات خارجية، وهذا جزء من سياسة الوزارة ممثلة بوزيرها د.صبري صيدم القائمة على رفض الرضوخ لأي تدخلات خارجية، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على المناهج التعليمية، لذلك سَعَتِ الوزارة لأنْ يكونَ تمويلُ طباعة المناهج وإعدادها ذاتيًّا من خزينة السلطة”.

وفيما يتعلق بكون هذا النظام متساهلاً ويحابي الطالب على حساب الأستاذ، رَدَّ أيوب عليان قائلًا: “كل شخص يفهم نصوص النظام بطريقته الخاصة، والإجراءات قد تبدو متساهلة بالفعل في الإطار العام، ولكن لو ينفذ بحذافيره وكما هو منصوص عليه فإنه سيشكل رادعًا للطالب المعتدي.”

وأكمل موضحًا: “الذي يحصل أنه عندما تقع مشكلة ما بين طالب وآخر أو طالب وأستاذه، فإنه لا يتم توثيق وكتابة ذلك بالتفصيل بشكل مهني على شكل إفادة، وتحل القصة وديًّا، ويُكتفى عادةً باعتذار شفهي من الطرفين “على الطريقة العربية” وهذا يؤدي لحدوث خلل إداري فيما لو حصلت مشكلة أخرى مع الطالب نفسه، نظرًا لعدم وجود أي مادة سابقة يمكن الرجوع إليها، وينجم عن ذلك قصور في تطبيق النظام.”

وردًّا على ادعاء من يقول إن هذا النظام أفقد المعلم هيبته، أجاب أيوب عليان: “الأستاذ وحده هو من يصنع هيبته وكرامته بنفسه، الأمر غير مرتبط بقانون أو غيره، وعندما يتراجع الأستاذ قليلًا أمام الطالب المشاغب -الأزعر- فهذا يؤدي لتماديه”.

ووفقًا لتصريحات أيوب عليان فإن: “الضرب لا يحقق للأستاذ هيبته” لافتًا إلى وجود وسائل أخرى قد تكون أكثر نجاعة وفعالية، كاستدعاء ولي الأمر، فعندما يعلم أحد الوالدين أنه سوف يغيب عن عمله يومًا كاملًا أو بشكل جزئي من أجل الحضور للمدرسة، فهذا يؤدي لتعاونهم في ضبط ومتابعة أبنائهم”.

وأكد أن: “هذا النظام لو يطبق بحذافيره وبشكل كامل دون انتقائية أو تجاوز لبعض المراحل والخطوات فهو نظام جيد؛ لأنه يعتمد التدرج والتسلسل عند إيقاع العقوبات.”

 

نظام أغفل دور الأسرة

وقد ذكر مرشد تربوي يعمل في إحدى المدارس الحكومية في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية (فضَّل عدم ذكر اسمه) أن: “هذا النظام يُرَكِّز على الطالب بنسبة كبيرة، ويُغفل دورَ الأسرة للحد من العنف.”

مضيفًا: “التغيير المطلوب إجراؤه للحد من العنف داخل المدارس يجب أن يتعامل مع الأسرة والطالب على حَدٍّ سواء، ولأن هذا الأمر غير موجود اليوم نتج عنه فجوة في التطبيق، وحال دون الوصول لأهدافه المنشودة، هذا إذا استثنينا الجوَّ العامَّ في المجتمع الذي يضعف فيه الرقابة الأسرية والمجتمعية حتى المؤسساتية”.

وتابع خلال حديثه مع مراسل شبكة “زدني”: “التغيرات التي حصلت في المجتمع خلال العِقد الأخير خاصة فيما يتعلق باتساع دائرة عمل المرأة خارج المنزل وظهور وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من العوامل، كلُّ ذلك انعكس في المحصلة على شخصية الطالب وعلاقته بالمدرسة والأسرة والمجتمع، فتراجعت هيبة الوالدين والأسرة وتقلص مفهوم (السلطة) عمومًا”.

وحول تقويمه للعقوبات الموجودة في نظام الحد من العنف، علَّق المرشد التربوي: “إذا أردنا القياس على المعيار الأسري في العقاب، فحتمًا هناك فروق متباينة بين الطلاب؛ فالطالب الذي يتعرض للضرب والشتيمة من والديه فإنه سيرى نصوصَ سياسةِ الحدِّ من العنف والعقوبات المنبثقة عنه غاية في التساهل، وقد لا يعتبرها عقوبة أصلًا، أما بعض الطلبة الذين هم الأقل عمرًا فيمكن القول إن بعض تلك العقوبات لها أثر رقابي أكبر من كونه عقابيًّا أو تعديلًا للسلوك”.

 

بديل الضرب والشتم

وبيَّن المرشد التربوي: “الضرب والشتيمة لا تصنع هيبةً للمعلم، لكن حتى نستطيع أن نوازن بين حق المعلم في ضبط صفه وبين حفظ حق الطالب بعدم التعرض للعنف أو الإساءة اللفظية، يجب أن نسعى لصناعة معلم لديه مهارات تواصل جيدة، ويتمتع بشخصية قادرة على التعامل مع الفئات العمرية المختلفة ومراعاة الفروق الفردية بين الطلبة، بالإضافة لمعرفة الأسس النفسية في التعامل مع الطلاب”.

ومما قاله المرشد التربوي أيضًا: “الشتم والتحقير وضرب الطالب أمام زملائه وعدم ملاءمة أسلوب العقاب للخطأ الذي يقترفه المذنب يترتب عليه ضياع أثر العقاب، ويؤدي للشعور بالدونية، وتدني مفهوم الذات لدى الطالب، وشعوره بعقدة النقص، بالإضافة لمشاعر الاستياء من المدرسة والتسرب منها، وقد يواجَه بسلوك عدواني تجاه زملائه وأشقائه في المنزل كَرَدِّ فعل أو كانتقام أو كسلوك متعلم أو كوسيلة لتأكيد الذات.”

ويؤكد المرشد: “أن نظام الحد من العنف يهدف من الناحية النظرية لتعديل السلوك، ولكن هذا الأمر يجب أن يكون جزءًا من خطة تكاملية مترابطة تضمن إشراك الأسرة ومؤسسات المجتمع المدني وتفعيل الأنشطة المجتمعية والمدرسية، والخروج من النمط التقليدي للعلاقة بين الطالب والمدرسة.”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك