نظرية الذكاءات المتعددة … سبيلنا لإنقاذ الجيل القادم

21 نوفمبر , 2015

يعتقد الكثير من المدرسين أنه بعد نهاية كل فصل دراسي يستطيع القول أنه يملك نظرة شاملة عن الفصل الذي درسه، ولكن هل هذه المقولة صحيحة  أم أن كثيرًا منهم يجهلون القدرات الحقيقة لطلابهم؟

كثيرًا ما عانينا كطلاب في العالم العربي من اقتصار معنى الذكاء والقدرات العقلية على مدى إبداعنا كطلاب في المواد التي لها علاقة بالرياضيات، و الملكات اللغوية وقدرة الطالب على التعبير، حيث  ترتكز وجل تقييماتهم  على الجانب الخارجي للعملية التعلمية، مهملين بذلك الجوهر الحقيقي للطالب وتحليل قدراته الفعلية كالذكاء مثلًا والقدرة على مواجهة المواقف والمشاكل و إيجاد الحلول لها، وهو ما يجعلهم يهملون تلك النظريات التي تؤكد أن البشر يتساوون في معدلات ذكائهم، ولكنهم يختلفون في نوع الذكاء الذي يمتلكونه، وذلك على اعتبار أن كل واحد منهم “ميسر لما خلق له”، ويعرف هذا المعنى بنظرية الذكاءات المتعددة.

حيث ظهرت هذه النظرية  على يد هوارد جاردنر  في سنة 1983 محدثًا بذلك قفزة نوعية في مجال البحث الإنساني، و ما يتعلق بقدرات العقل البشري -من خلال ملاحظته لأطفال ما قبل المدرسة وعدم صحة هذه المسلمات، قائلًا أن كثيرًا من معلمي أطفال ما قبل المدرسة، يدركون أنه يمكن أن يكون لدى طفل معين مهارات العلاقات بين الأشخاص أو ما يسمى الذكاء الاجتماعي، بينما يكون لدى طفل آخر  ذكاءًا رياضيًا. هذه الميول والنزعات لا تظهر فجأة بل من خلال مرور الأطفال بمواقف وأنشطة تحتوى على هذه الذكاءات-.

حيث ترتكز  نظرية الذكاءات المتعددة على عدد من المبادئ و القوانين أولها أن كل الأطفال يولدون ولديهم كفاءات ذهنية متعددة منها ما هو ضعيف ومنها ما هو قوي. و أسلوب التربية المعتمد من طرف أوليائه و الظروف المحيطة بهذا الطفل  هي من تنمي ما لدى المتعلم من كفاءات ضعيفة وتعمل في الوقت نفسه على زيادة تنمية ما هو قوي لديه. وبالتالي فإن هذه النظرية تنفي وجود أي ارتباط بين الكفاءات الذهنية والعوامل الوراثية، كما وترفض هذه النظرية الاختبارات التقليدية للذكاء لأنها لا تنصف ذكاء الشخص، فهي تركز على جوانب معينة فقط من الذكاء، حيث يقول جاردنر : “إن الوقت قد حان للتخلص من المفهوم الكلي للذكاء، ذلك المفهوم الذي يقيسه المعامل العقلي، والتفرغ للاهتمام بشكل طبيعي للكيفية التي تنمي بها الشعوب الكفاءات الضرورية لنمط عيشها، ولنأخذ على سبيل المثال أساليب عمل البحارة في وسط البحار، إنهم يهتدون إلى طريقهم من بين عدد كبير من الطرق، وذلك بفضل النجوم وبفضل حركات مراكبهم على الماء وبفضل بعض العلامات المشتتة. إن كلمة ذكاء بالنسبة إليهم تعني دون شك براعة في الملاحة. ولننظر كذلك إلى المهندسين والصيادين والقناصين والرسامين والرياضيين والمدربين ورؤساء القبائل والسحرة وغيرهم. إن كل الأدوار التي يقوم بها هؤلاء ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، إذا قبلنا تعريفًا جديدًا للذكاء، باعتباره كفاءة أو قدرة لحل المشكلات أو إنتاج أشياء جديدة، ذات قيمة في ثقافةٍ ما أو مجتمع ما من المجتمعات، إن كل الكفاءات والقدرات التي يظهرها هؤلاء في حياتهم وعملهم تعتبر دون شك شكلًا من أشكال الذكاء الذي لا يقتصر على المهارات اللغوية أو الرياضيات والمنطق، التي طالما مجدتها اختبارات المعامل العقلي، وعلى هذا الأساس فإن نظرية الذكاءات المتعددة تقف موقفًا خاصًا من اختبارات الذكاء، التي طالما مجدت وقامت بإصدار أحكام بخصوص الطلاب ومستقبلهم الدراسي”.

إن المتأمل في حياة  سيد المعلمين  عليه الصلاة والسلام سيدرك أنه أدرك معاني نظرية الذكاءات المتعددة حيث كان يرقب حال أصحابه وينمي قدراتهم فيما يتميزون فيه، فخالد المحارب العظيم لم يكن من حفظة كتاب الله، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخدمه فيما يبدع فيه وهو القتال، و ملكات الفهم لدى ابن العباس شجعها بدعائه له على مسمع منه “اللهم فقه في الدين”، ورجاحة عقل أم سلمة وذكاءها الاجتماعي جعلها مستشارة له عليه السلام في وقت الضيق، وكذلك حسان بن ثابت  الذي جعلته ملكاته اللغوية شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قد يتساءل البعض عن أهمية استعمال هذه النظرية في التعليم اليوم، وماهية ما قد تقدمه للطلاب والعملية التعليمية ككل، فيكفينا القول أن هذه النظرية ستساعدنا في التخلص من الشعور بالنقص وجلد الذات لدى الطالب نتيجة تدني قدراته في الرياضيات مثلًا، في حين أن هذا الطالب يملك من الذكاء الاجتماعي ما لا يملكه ربما مدرسه، وبالتالي فإن هذه النظرية ستخلص الجيل القادم -في حال تم تطبيق وسائل تعليمية تتجسد على أرض الواقع- الكثير من العقد التي أصبحت متوارثة في مدارسنا وبالتالي تربية جيل جديد قادر على الإبداع والثقة بقدراته، وبناء جيل قابل للتطوير وبالتالي سيكون قادرًا على النهوض بحال هذه الأمة.

 

  •  (أحمد أوزي،1999).
  • موقع التعليم الجديد


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك