نوستالجيا المدارس والتعليم

17 ديسمبر , 2016

نوستالجيا عادة توصف للمعاناة والاكتئاب والحنين إلى العصور الذهبية لعلمائنا العرب وشغفهم في البحث والتقدم، وهي أيضًا في ألحانها تعزف معاناة تقهقر التعليم في البلاد العربية وانتهاج طرق تعليمية هشة الخبرة والأساس التي تركز على الكم أكثر من النوعية، فكم تطول القوائم بالمدارس الخاصة والتي تأخذك بفخامتها وأثاثها ومنهاجها البريطاني أو الأمريكي أو من جزر القمر، ولكن كل ذلك ومع كم المبالغ الضخمة التي يضخها الأهالي في خزائنهم لم نرى تحولًا فكريًا أو تقدمًا علميًا وما يتعلمه الطالب ليلة الامتحان يطير بعده ويفرغ رأسه نهائيًا لينتظر المعلومات اللاحقة ليكدسها ويستخدمها في الامتحانات، وكل الطلاب في هذه المدارس مع اختلاف قدراتهم العقلية والبدنية وتحصيلهم العلمي (إن كان موثوقًا بدون غش وتزوير) يكونون في الصف سواء ويتقدمون جميعهم لامتحان الثانوية وينجحون ويتقدمون لذات الجامعات والتخصصات وبالنقود يستطيع أي كان أن يكون طبيبًا أو مهندسًا.

ولكن حتى نؤمن أننا في نوستالجيا مؤلمة تدق على أوتار قلوبنا كلما رأينا مخرجات التعليم، أردت وباختصار وضع وصف بسيط للمدارس الألمانية الحكومية المجانية المتوفرة لجميع الناس والطبقات والأعراق والديانات.

نبذة عن المدارس الألمانية

تعتبر المدارس الأساسية في ألمانيا ذات أنظمة فريدة تختلف عن بقية دول العالم حيث يحدد مسار التلميذ الأكاديمي أو المهني بعد الصف الرابع، وهذا النظام مأخوذ به في أغلب الولايات الألمانية، بينما في ولايات أخرى يتم التصنيف بعد الصف السادس. أما مراحل التعليم في ألمانيا فتقسم إلى:

– التمهيدي يبدأ في السنة الأخيرة في الروضة والتي تسبق دخول المدرسة.

– المدارس الأساسية Grundschule من الصف الأول حتى الرابع.

– مدارس الجيمنازيوم Gymnasium ويلتحق بها طلبة الصف الرابع ذوي التقدير ( ممتاز – جيد جدًا ) وهي المسار المؤدي إلى الجامعة.

– مدارس الريال Realschule (ممتاز – جيد) وهي تركز على الدراسة المهنية Ausbildung وكذلك يتسنى للطالب الالتحاق بالجامعة وذلك من خلال اختيار بعض المساقات المطلوبة في امتحان الدراسة الثانوية أو امتحان التوجيهي.

– مدارس الحالات الخاصة Sonderschule وهي لذوي الاحتياجات الخاصة ولمن لهم ضعف قدرات تعلم، إعاقات، مشاكل تختص بالنطق وغيرها وفيها يتم تأهيلهم للدراسات المهنية.

مصفاة المدرسية الألمانية:

بعد الصف الرابع يبدأ نظام يشبه الفلترة أو المصفاة المدرسية ويتم تحضير الطلاب وتوجيههم بناء على قدراتهم وتحصيل علاماتهم في الثالث والرابع، وتجتمع مسؤولة الصف مع الأهل وتبلغهم نصيحتها من خلال معرفتها لتطور الطالب لديها خلال سنتين ولكن يبقى على الأهل حرية الاختيار وتحمل نتيجة اختيارهم، رغم أن هذا النظام مأخوذ به منذ عقود وأخرج علماء كيار أمثال أينشتاين، وصُناع قرار وبناة الدولة الصناعية العظمي أمثال أنجيلا ميركل، ومفكرين وأدباء أمثال غوته، إلا إن جدالات التغيير تتردد في أغلب الندوات التعليمية وفي صالونات الحوار المغلقة من أجل تغيير النظام وانتهاج النظام العالمي.

المعترضون يجدون أن طفل الصف الرابع ما زال صغيرًا جدًا ليختار مسار حياته واختيار المدرسة التالية ولكن علماء النفس التربوي يجدون أن تقسيم الطلاب حسب القدرات العلمية سيزيد من المنافسة من خلال التوجيه الصحيح لسوق العمل، فالطالب يجب أن يتعرف على قدراته العقلية والبدنية في سن مبكر ويكون باستطاعته اختيار المسار الدراسي، وبالتالي من لديه ضعف قدرات تعلم لا يجب أن يتم استهلاك تفكيره وإرهاق بدنه وتشويش عاطفته ومن ثم إصابته بالانتكاسة إذا وضع في مدارس الجيمنازيوم أو الريال، وبالتالي لا بد من البحث على مواطن القوة لديه وتحفيزه على التعلم المهني وهو سوق مطلوب جدًا في ألمانيا.

لكن إذا قارنا ذلك مع مدارسنا العربية حيث لا يوجد نظام فلترة ولا يتم التصنيف في أي مرحلة ولا حتى الاهتمام باختلاف القدرات العقلية بين الطلاب، فعندما توجد المواد الصعبة المليئة بالمعلومات المعقدة لا تأخذ بالفوارق بين الطلاب من حيث استقبال المادة، على سبيل المثال إذا نظرنا إلى مادة الرياضيات للصف الخامس في المدرسة الألمانية الجيمنازيوم سيكون مكثفًا وأسرع وتيرة من نفس الكتاب لصف خامس في الريال أو مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك مراعاة للفروقات بين الطلاب.

لكن قبل الانطلاق إلى المدارس وسجالات التعليم والمناهج، هل يتم تهيئة الطفل إلى المرحلة المدرسية القادمة؟

التمهيدي هل هو تمهيد ؟ أم استنزاف؟

الألمان دقيقون جدًا في استخدام كل مصطلح في مكانه، فالتمهيدي هو تهيئة الطفل بدنيًا وعقليًا لاستقبال المرحلة المدرسية القادمة، وتكون عادة آخر سنة في عمر الروضة في عمر خمسة إلى ستة سنوات.

وهناك خمسة أمور مهمة يجب أن يتعلمها الطفل الألماني في المرحلة التمهيدية:

– استخدام القلم بطريقة صحيحة والتدرب على كتابة الاسم.

– العد باستخدام مواد بسيطة، كأن يعد حبات الفواكه، الأقلام والأطفال وغير ذلك وذلك لتعميق شعور الإحساس بالكم.

– التعرف على الحروف بالنظر وليس الحفظ، فمثلًا استخدام لعبة سلطة الحروف ويتم فرز الحروف المتشابهة أو كل حرف مع صورة تبدأ بذات الحرف.

– الإحساس باليوم المدرسي، فمثلًا الاستماع إلى الأطفال الآخرين خلال جلسة الصباح الدائرية، ورفع اليد للاستئذان عند التكلم، التعود على الجلوس بالتدريج حتى وقت الحصة كاملة.

– الاعتماد على النفس في كل شيء، يتعلم الطفل كيف يربط حذاءه لوحده، قص وتشكيل الورق في أشكال مختلفة، الوقوف على رجل واحدة والتوازن وأخيرًا التعود على طريق المدرسة من خلال زيارة أقرب مدرسة أسبوعيًا مشيًا على الأقدام.

من هذه النقاط الخمسة نجد أن التمهيدي هنا في معناه الحقيقي بدون وجود كتب وحقائب مدرسية وواجبات بيتية وعلامات وتقييمات ومقارنات، بينما الفترة التي تسبق المدرسة في بلادنا العربية هي مرحلة الاستنزاف ففيها طفل الثلاث والأربع سنوات يبدأ مرحلته باستخدام الكتب التي تفوق مستوى عقله الذي ما زال طريًا غضًا والذي لا يحلم سوى باللعب مع أقرانه، فينهر ليجلس صامتًا في الحصة وربما يعاقب إذا خرجت منه ضحكة أو صدرت عنه التفاتة، علاوة على حفظ النصوص الكبيرة بحيث يكون ذلك إلزاميًا على كل الصف، وتتم المقارنة بين الشاطر والكسلان بوضع النجوم والتيجان وإلباس الطفل الذي لم تقوَ قدراته العقلية على الحفظ أو حل الواجب أو التمارين صفة الكسلان الغبي.

المرحلة الأساسية وجدول الحصص:

عندما دخل ابني المدرسة جهزت نفسي تلقائيًا لأستقبل ما تعودت عليه في بلادنا العربية وخصوصًا وأنا أتوقع حقيبة مليئة بالمواد الزخمة وجدول حصص محشو، ولكن عندما عاد كانت حقيبته لا تحتوي إلا على كتابين واحد للرياضيات وآخر للغة الألمانية، وسألته أين باقي المواد فقال لي: لقد أخذت هذه الكتب فقط! وهذه الأوراق لتقرأيها أنتِ وتوقعيها.

أخذت الأوراق وكانت عبارة عن معلومات عن مواعيد العطل والأعياد الرسمية، ومواعيد الرحلات العلمية وغيرها، ونشاطات أخرى على مستوى المدرسة وعلى جدول الحصص المدرسي.

ما أدهشني هو تنظيم الجدول المدروس بدقة! وربما من النظرة الأولى لا يدرك المرء ذلك ولكن لو تأمل الجدول ودرس طبيعة المواد سيجد أن هناك فن وضع الجدول، فمعلمة الصف أو مربية الصف مختصة بتدريس مواد مثل اللغة الألمانية والرياضيات والرياضة، وعادة عندما يكون مربي الصف هو من سيعطي الحصص يكتب في مكان الحصة KL اختصارًا لكلمة Klassenleherer وتختصر بـ KL وهي مرادف لمربي الصف، وبالتالي هذا المربي يقوم بتقسيم حصصه بما يتوافق مع عدد الحصص المطلوبة لكل مادة من مواد اختصاصه. يوم الإثنين عادة يبدأ بـ KL وفيها يجلس الطلاب على شكل دائرة ويتحدث فيها الأطفال عن أسبوعهم الماضي وعن عطلة نهاية الأسبوع بماذا قضوها؟ وبالتالي هي طريقة تربوية لإعادة برمجة عقل الطالب والخروج من جو نهاية الأسبوع وبداية أسبوع دراسي جديد. وهذا النظام من الصف الأول حتى الرابع وعندما قارنت جدول ابني مع عدة جداول مختلفة لمدارس عربية كانت بداية الأسبوع مرعبة! فمنها ما يكون حصتي لغة متتاليتين أو علوم ثم رياضيات ثم لغة إنجليزية وهكذا.

في الصفوف الأربع الأولى في المدارس الأساسية الألمانية يبدأ الدوام المدرسي على الثامنة والنصف صباحًا وينتهي في معدل الساعة الثانية عشرة والنصف، وتتضمن هذه المدة استراحتين لمدة ربع ساعة للإفطار واللعب، وكلما زادت عدد الحصص في المدارس الأساسية تزيد الاستراحات بمعدل كل حصتين للتحضير إلى الحصة اللاحقة وسرعة الانتقال ضمن المباني إذا كان الأمر يتطلب ذلك كحصص السباحة والرياضة وغيرها. ولو قارنا ذلك أيضًا مع المدراس في دولنا العربية فجدول الست حصص على أقل تقدير يتخلله استراحة واحدة من ربع ساعة فقط، وبالتالي وصول إلى الحصة السادسة وأحيانًا السابعة ويكون الطفل قد أنهك تمامًا بحيث يلاحظ تثاؤب الطلاب وربما نومهم في الحصص الأخيرة.

في المدارس الألمانية التي تنتهج الدوام الطويل تنتهي فيها أيًضا الدروس المدرسية في حدود الثانية عشر والنصف أو الواحدة، ثم تبدأ استراحة الغذاء وبعدها ساعتان لحل الواجبات المدرسية في المدرسة، حيث لا يتسني للطالب بعد الدوام الطويل وعودته مرهقًا إلى البيت بأن يقوم بعمل الواجب. وتشرف المربية المساعدة على ذلك بنفسها وبعد ذلك يتوزع الطلاب في نشاطات مختلفة كانوا قد اختاروها في بداية العام الدراسي من كرة قدم وأشغال يدويه ومسرح وموسيقي وطبخ وتجارب علمية وغيرها الكثير.

الفن والرياضة والمهني مثل الرياضيات!

سبق وذكرت أن ترتيب الحصص المدرسية مدروس بحيث لا يصل الطفل إلى مرحلة الملل والإرهاق من تتالي الحصص النظرية، والتي تحتاج تركيز وعمل. فمثلًا بعد حصتي لغة ألمانية لا بُد أن تكون هناك استراحة أو حصة موسيقى أو فن أو رياضة أو سباحة. وهنا يحصل التلميذ على جرعات نشاط متفرقة وقلما لاحظت وجود حصص الرياضيات والعلوم متتالية، كما أن حصص الفن والرياضة والموسيقى يتمتعون بأهمية كبيرة من قبل الطلاب والأساتذة، ولا تشغل أي حصة لتعويض مادة أخرى أو لإجراء امتحان، ولا تهمل فيترك الأطفال يلعبون بلا هدف، بل يتعلمون فن الرسم أو أشغال يدوية أو تصاميم ترتبط بمناسبات كبيرة وأهمها أعياد الميلاد وعيد الأم.

المساعدة التربوية

في المدرسة الأساسية تساعد مُربية الصف مساعدة تربوية، تقوم بالاهتمام بسلوكيات الأطفال وتنظيمهم وعمل مشاريع تربوية مختلفة معهم بحيث تكون مناسبة لأعمارهم ومهمة لحياتهم المدرسية، مثل أساليب حل المشاكل التي تجعل بين الأطفال Problems management، وتنظيم المشاريع على شكل ألعاب لها هدف تربوي كأخلاقيات الإنسان أو قوانين المدرسة، كما أن هذه المساعدة تتابع الأطفال في الوقت التي تقوم فيه المعلمة في شرح الدرس وحل مشاكل الطلاب.

لكن الألمان قلقون!

رغم النظام القوي للتعليم في ألمانيا إلا إن الألمان وخصوصًا بعد نتيجة بيزا الحديثة 2016 قد دقوا ناقوس الخطر، وصرحوا باتخاذ إجراءات وقائية وإعداد المعلمين بشكل يرفع من مستوى التعليم في ألمانيا، واللحاق بركب المدراس الإسكندانافية والتي تصدرت قائمة الأفضل في العالم مثل فنلندا، علمًا أن الألمان في هذه السنة تفوقوا على الأمريكان وصعدوا من مركز 72 إلى المركز 16 عالميًا، وهذا إن دل على شيء فيدل على حرص الدولة المتقدمة على التحسين والارتقاء وعدم الفرح لنتيجة يجدون نفسهم خلالها في خانة النقص.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك