هل يمكن للطفل أن يتفلسف؟ قراءة في تجارب دولية لتعليم التلاميذ الفلسفة

31 مارس , 2017

 

ربما يدل –للعجب- مصطلح “فلسفة” في العالم العربي على مدلول سيء، ويطلق على الشخص كثير الكلام، أو الذي “لا يعجبه العَجَب” بينما هي في حقيقة الأمر علم المنطق وتوليد الأسئلة، وإلى أن ندرك أهمية هذا العلم، ومدى إسهامه في بلورة الشخصية وتطوريها، ثمة الكثير من الدول الغربية بالتأكيد سعت في هذا الأمر بشكل متقدم، وباشرت في تعليم الأطفال هذا العلم منذ نعومة أظافرهم.

الفلسفة -لو شئنا تبسيط المسألة- هي علم السؤال؛ فهل يوجد أكثر من الأطفال سؤالًا واستفسارًا، وغني عن الذكر أن السؤال لديه هو مفتاح التعرف على العالم الخارجي.

تذكر صحيفة الجارديان مقولة عن الكاتب الفرنسي “ميشيل دو مونتين” منذ أكثر من 400 سنة:

«بما أن الفلسفة هي الفن الذي يعلمنا كيف نعيش؛ فإن الأطفال يحتاجون لتعلمها بقدر ما نحتاج نحن في أي عمر؛ فلماذا لا نعلمهم إياها؟»

نحن بحاجة ماسة لنسأل أنفسنا السؤال نفسه اليوم.

وتضيف الصحيفة في مقالة نشرتها لـ “ميشيل سووي” ما يلي: “عندما نضع الأطفال على مَسِير الفكر الفلسفي في عمر مبكر، نستطيع منحهم هدايا لا تعوض: كالوعي الأخلاقي والجمالي والسياسي بأبعاد الحياة، والقدرة على التعبير عن الأفكار بوضوح وتقويمها بصدق، والثقة في ممارسة التقويم المستقل والتصحيح الذاتي، وما هو أكثر من ذلك، فإن التقديم المبكر للحوار الفلسفي سيعزز احترامًا أكبر للتنوع وتعاطفًا أعمق مع تجارب الآخرين، وكذلك الفهم الضروري لكيفية استخدام العقل والمنطق في حل الخلافات.

دور الفلسفة هنا كمنهج وعلم ليس من أجل تعهد أسلوبهم الفلسفي بالرعاية والاهتمام وتقديم الفكر الفلسفي المعروف في أقسام الفلسفة المتخصصة، ولكن تقديم معيارٍ منطقيٍّ يحكم عملية تفكيرهم ويوجههم الوجهة السليمة، ولقد أثبتت الأبحاث أنًّ الأطفال الذين تقدم لهم الفلسفة يظهرون تحصيلًا أكاديميًّا أفضل من غيرهم؛ فقد زاد تقديرهم لذواتهم، وزادت يقظتهم على ضبطها، وهي أمور لها مردودها الطيب في التحصيل الأكاديمي للطفل.

وعودٌ على بَدء؛ فلم يكن تدريس الفلسفة للأطفال قديمًا جدًّا؛ بحيث لم تظهر هذه الفكرة إلا في نهاية الستينات من القرن الماضي في أمريكا بفضل جهود “ماثيو ليبمان” وخطوةً خطوةً حَذَتْ دولٌ أخرى في مختلف بقاع العالم حَذْوَ هذه المبادرة.

 

منهجية ليبمان:

ترتكز منهجية Lipman  ليبمان الأكثر شهرة في العالم على ثلاث وسائل:

الأولى: تطوير ثقافة السؤال في المدرسة من خلال الانطلاق من أسئلة الأطفال نفسها.

والثانية: حث الأطفال على كتابة نصوص سردية تدور حول انتماء الطفل إلى شخصيات وحالات (تستحضر البعد الأنثروبولوجي: وهي علم الإنسان، أي: الدراسة العلمية للإنسان، في الماضي والحاضر، الذي يُرسم ويُبنَى على المعرفة من العلوم الاجتماعية، وعلوم الحياة، والعلوم الإنسانية)

والثالثة الأخيرة: تخصيص حيز للكلام والتبادل في القسم للمشاكل العالمية: كالبيئة، والفقر، واللامساواة… وتكون المناقشة حرَّة، شريطة استحضار النقد والدليل والحجة.

 

تجارب دولية علَّمت أطفالها الفلسفة:

وجد مشروع Lipman  صدى خارج حدود الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة بدءًا من كندا والبرازيل وصولًا إلى ما وراء المحيط الأطلسيِّ، وقد أُخرجت حكاياته في ألبومات ذاع صيتها؛ فترجمت، وباتت مستعملة في أكثر من 15 دولة.

 

الولايات المتحدة:

بدأ التفكير في ذلك عند الفيلسوف ليبمان عام 1968 الذي رأى بعد دراسة حول أسس التربية في الولايات المتحدة الأمريكية أن ثمة مشكلة؛ حيث تعاني من فقر في تعزيز تفكير الطفل وتوليد وجهات نظر مختلفة حول أبعاد متنوعة من قيمة أو موقف ما!

الفكرة بدأت حين كان يبحث عن طريقة لتبسيط الفكر المنطقي لطلابه في المرحلة الجامعية، وفكر في أنه من المستحسن تدارك ذلك في حداثة سنهم؛ ولهذا السبب كتب روايته القصيرة المعنونة بـ: “اكتشاف هاري سوتلمير  La découverte d’Harry Sottlemeier”  الموجهة للأطفال ما بين سن العاشرة والثانية عشرة من العمر، حيث يمكن لمجموعة أطفال البحث عن قواعد التفكير السليم، تلاها جهود أخرى، وهو ما شكل في مجموعه برنامجًا للفلسفة خاصًا بالأطفال ما بين سن الخامسة والثالثة عشرة.

 

فرنسا:

التجربة الفرنسية تعتمد على هذه النماذج المختلفة منذ سنوات، وتحاول تطبيقها في بعض المدارس ورياض الأطفال منذ سنِّ الرابعة، خلال ورشات الفلسفة التي تُقام بشكل أسبوعي، يتمكن الأطفال من التعبير عن كلِّ ما يدور بأذهانهم دون رقابة، وهذا يجعلهم يطرحون أفكارًا وجد الباحثون أن معظمها مصدره الأفكار المسبقة التي يتلقَّونها من المجتمع.

ولهذا من الخطير دومًا أن يكبر الطفل مع هذه الأفكار المسبقة التي تكون مخطئة في معظم الأحوال.

 

الأرجنتين:

بدأت تجارب تدريس الفلسفة للأطفال في الأرجنتين سنة 1989 داخل مدرسة خصوصية ببوينوس آيرس، وظهر المركز الأرجنتيني لتعليم الفلسفة للأطفال سنة 1993 بجامعة بوينوس آيرس؛ حيث تُرجم برنامج ليبمان، ونُشر، ونُشرت معه بعض المعدات الموجهة لتدريس الفلسفة للأطفال.

 

البرازيل:

وهي تجربة رائدة في حقيقة الأمر، وحاليًّا يوجد أكثر من عشرة آلاف مدرس وأكثر من 100 ألف طالب يدرسون الفلسفة، ويعيشون تجارب مختلفة في تدريس الفلسفة في المدارس العمومية والخاصة.

 

المملكة المتحدة:

يعد رائد التجربة الفلسفية الحديثة في لندن “روبير فيشر” الذي تناول الفلسفة بكل قوة حتى إن قناة bbc  بثت فيلمًا حول ذلك بعنوان “سقراط لأطفال السنة السادسة من العمر Socrates for 6-years old ” ولقي إقبالًا واسعًا جدًّا؛ حيث تمَّ سنة 1991 إنشاء مؤسسة النهوض بالفلسفة في التعليم، بهدف تعزيز تجربة الفلسفة للأطفال.

بعد ذلك بثلاث سنوات أطلقت المؤسسة تجربة تكوين أساتذة لتدريس الفلسفة للأطفال، مبنية على نموذج “ماثيو ليبمان” وانطلقت التجربة بالفعل.

 

اليابان:

اشتغل الأستاذ “تاكارا” والأستاذ إيفا مارسال بشكل مكثف منذ سنة 2003 على مشروع بحث دولي تحت عنوان  “Das Spiel als Kulturtechnik”الذي يعالج في جانب منه تدريس الفلسفة للأطفال، وهناك مبادرة بحث ألمانية-يابانية (DJFPK) تخص تدريس الفلسفة للأطفال.

التجارب العربية:

لا توجد حتى اللحظة تجارب مؤكدة حول تدريس الأطفال للفلسفة في المدارس الابتدائية، بتعهد حكومي سوى تونس، وإن كان هناك بعض المدارس الخاصة تدرس بعض المواد الشبيهة بذلك مثل بعض المدارس الخاصة بالكويت .

تونس:

ثمة حَراك نوعي في هذه المسألة، بعد بحث مطوَّل تم إدراج الإيقاظ الفكريِّ ضمن برنامج الإجازة التَّطبيقيَّة لعلوم التربية التي ستخرِّج الدَّفعات الجديدة من أساتذة المدارس الابتدائيَّة بداية من سنة 2019، وبعدها سيُبدأ بتعليم الطلاب في المرحلة الابتدائية هذه العلوم .

 

المصادر:

le globe philo



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك