هل ثمة تصور “شرعي” للتأديب التربوي والعقاب البدني خاصة؟

20 سبتمبر , 2017

ثقافة التعليم والتربية مما استشرت فيها نزعة الترجمة عن الغرب، بما يتجاوز الإفادة الناضجة مما لدى القوم ، للتهليل المفتوح والانبهار الساذج بدراساتهم والاتكاء على نتائج أبحاثهم ، كأنهم في كل أمرهم جاؤوا بما لم يأت به أوّلون! وإذا تكلمنا عن العقاب في المدارس أو العقاب البدني تحديدًا، فحدث ولا حرج عن المصنفات المترجمة في المجال.

لكني رأيت أن أسلك في هذه المقالة مسلكًا يعبر عن عقيدة عندي، مفادها أن إرثنا بشرعه وأدبه وتاريخه، عامر بأصول في مختلف المباحث (التربية والتعليم وغيرها) ما زلنا عنها غافلين وبها جاهلين ، حتى يأتينا من يكتشفها من خارجنا فنتلقفها عنه شاكرين لفضله مسبحين بحمده! (ولا يتسع المقام هنا للتفصيل في مساوئ ثقافة عصرنا الهجينة والمهزوزة المعالم والمبتورة الجذور) .

هذا المسلك يتمثل في التنقيب في “بعض” ذلك التراث، للوقوف على رؤوس تصور شرعي أدبي يضبط هذه الممارسة التأديبية حتى لا تنقلب انتقامية تعذيبية.

 

غاية التأديب

مصطلح “المؤدّب” من المصطلحات الأصيلة في تراثنا، وهو لقب كان يلقَّب به من يُخْتار لتربيةِ الناشئ وتعليمِه، خاصة من أولاد الملوك والأمراء. والمؤدب من مشتقات مادة أدب، ومن معاني الأدب في لسان العرب: “هو الذي يَأْدِبُ النَّاسَ إِلَى الْمَحَامِدِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمَقَابِحِ. وَأَصْلُ الْأَدْبِ الدُّعَاء”. فالمؤدّب إذن “يدعو” من يؤدبه إلى تلك المحامد وينهاه عن الدواني، ويسلك في ذلك مسالك التأديب التي تحقق الغرض المنشود.

هذه الدعوة للأدب هي المقصد الرئيس بمسيرة التأديب، وهي بالمقام الأول مخاطبة للضمير والفؤاد قبل أن يكون تحكمًا بالسلوك وتوجيهًا للجوارح، لأن ذلك المتأدب سيستقل بتأديب نفسه وتوجيهها في مرحلة ما، فالعبرة بأسس التوجيه ومسالك التأديب التي يُترَك عليها فيصير إليها. وقد يُحتاج في أثناء تلك الدعوة لين أو شدة، مكافأة أو معاقبة، ثناء أو تقريع؛ كل تلك وسائل تستعمل بقدرها في حينها، لكنها ليست مقصودة لذاتها.

 

إذن تأديب الطفل في عصر اليوم ينبغي أن يعني أكثر من مجرد ضبطه متلبسًا بمنكر ما ومعاقبته بصورة توحي بأن الإشكال في “الضبط” لا ذات المنكر، وبالتالي ينشأ النشء على ثقافة فن التخفي بعمل المنكر، لا تقوى الانتهاء عن إتيانه ولو في خلوة. وينشأ على كراهة التأديب ومشتقاته من التربية والتهذيب والتعليم والانضباط .. إلخ، لأن التأديب صار رديفًا في وعيه لقمع إرادة المتأدب وإذلال نفسه، وتفريغ طاقات المؤدب الانفعالية فيه بسلطوية جائحة لا تستقيم عقلًا حتى تستاغ نفسًا!

 

لكن الحاصل اليوم أن مسيرة التأديب انقلبت عملية تعذيب لاسيما في المدارس، حيث التلميذ مادة امتهان مبذولة من الوالديْن للمعلّمين، وحيث التأديب عملية انتقامية تفريغية لشحنات الضغط لدى المعلمين، دون قاعدة معايير منضبطة في حسّهم أو وعيهم، عن ماهية التأديب ووسائله وأهلية المؤدب ومناهجه [ويندر أن تكون اللوائح المسرودة ذات أثر أو بعاث التزام إذا خلا الحس والوعي الذاتي مما تنص عليه]. ويتم الإذلال والامتهان تحت مسميّات غرس فضائل وردع رذائل، في بيئة تعليمية وتربوية تخلو غالبًا من كل ما تدعو إليه من محامد – إذا دعت -، وتَسبَح في كل ما تزجر عنه من مساوئ – إذا زجرت.

 

ضوابط مرعية وآداب شرعية

في السطور التالية 7 ضوابط مرعية وآداب شرعية لا ينبغي لمؤدب التغافل عنها بحال، حين يجد أن تأديبه يتطلب العقاب البدني لمن يؤدّبه:

 

1- التدرّج في التأديب أولًا: فلا يجوز للمؤدب أن يتخطى إلى مرتبة في العقاب (خاصة البدني) وهو يجد فيما دونها كفاية وسعة. فيبدأ بالتنبيه على الخطأ، ثم يصبر على النصح والتوجيه واحتمال الحاجة لتكرار التنبيه، فإن لم يفد ينتقل إلى التوبيخ والزجر والتهديد بالعقاب.

 

2- مراعاة عقل من يؤدبه: فضرب من لا يَعقِل الضرب لن يحقق المقصود التربوي يقينًا وإنما يكدّر نفسه ويُبغِّض إليه من يقوم بشأنه. ذكر في كتاب المغني (مرجع للفقه المقارن): سُئِلَ [الإمام] أَحْمَدُ، عَنْ ضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصِّبْيَانَ، قَالَ: “عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، وَيَتَوَقَّى بِجُهْدِهِ الضَّرْبَ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ فَلَا يَضْرِبْهُ”[1] .

 

3- إذا احتيج للضرب فعلى قدر الذنب: أي تناسب مقدار الضرب مع ما يحصل من التلميذ من التفريط والإهمال. فلا يجوز لمؤدب أن يسرف في الضرب بأي حجة، بل ويكون مسؤولًا شرعًا عن أي تلف أو ضرر يتسبب فيه للمضروب إذا تجاوز قدر ما تحصل به كفاية التأديب. ذكر الموفق رحمه الله في كتاب المغني: “وَلَوْ أَمْكَنَ التَّأْدِيبُ بِدُونِ الضَّرْبِ لَمَا جَازَ الضَّرْبُ، إذْ فِيهِ ضَرَرٌ وَإِيلَامٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وَإِنْ أَسْرَفَ فِي هَذَا كُلِّهِ، أَوْ زَادَ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْغِنَى بِهِ، أَوْ ضَرَبَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنْ الصِّبْيَانِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بِعُدْوَانِهِ”[2]. وكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَكْتُبُ إِلَى الأَمْصَارِ: “لا يَقْرِنُ الْمُعَلِّمُ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَإِنَّهَا مَخَافَةٌ لِلْغُلامِ”[3].

 

4- أن يكون الضرب مشروعًا كمًا وكيفًا وموضعًا: ففي حديث حق الزوجة على زوجها: “أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ” [سنن أبي داود]، ذكر شرح “عون المعبود”: “(وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ) فَإِنَّهُ أَعْظَمُ الْأَعْضَاءِ وَأَظْهَرُهَا وَمُشْتَمِلٌ عَلَى أَجْزَاءٍ شَرِيفَةٍ وَأَعْضَاءٍ لَطِيفَةٍ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ اجْتِنَابِ الْوَجْهِ عِنْدَ التَّأْدِيبِ.(وَلَا تُقَبِّحْ): بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ أَيْ لَا تَقُلْ لَهَا قَوْلًا قَبِيحًا وَلَا تَشْتُمْهَا وَلَا قَبَّحَكِ اللَّهُ وَنَحْوَهُ” [4]. والضرب المشروع هو غير المبرّح بما لا يشوّه لحمًا، ولا يكسر سنًا أو عظمًا، ويكون على الظهر أو الكتف وما أشبه ذلك.

 

5- ويستفاد من نفس الحديث أعلاه تجنب التقبيح: فلا ينبغي الخلط بين الجدية في الزجر والتأديب بالبذاءة في اللفظ صيانة لمكانة المؤدب ولنفس من يتأدب. والامتهان الكلامي للمتأدب يقع في نفسه موقع الإيذاء الحسي على بدنه، ويصيب عملية التأديب في مقتل إذ يوصل له مؤدبه رسالة أن الأدب لن يقع منه حتى يؤخذ بسوء الأدب!

 

6- تجنب الضرب والعقاب البدني حال فورة الغضب، لاحتمال أن يكون الضرب شفاء لغيظه لا بقصد مشروع هو التأديب والإصلاح. وفي شرح صحيح البخاري لحديث “لا تغضب”: “وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ […] وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ الْعَاقِلُ وَيَنْدَمُ قَائِلُهُ عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْغَضَبِ أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْقَتْلِ […] وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَةَ وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَةٌ. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ عَرَفَ مِقْدَارَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ اللَّطِيفَةُ مِنْ قَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَغْضَبْ مِنَ الْحِكْمَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْمَصْلَحَةِ فِي دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوفُ عَلَى نِهَايَتِهِ”[5].

 

7- الحرص على الشمولية في التأديب والتوجيه لتستقيم نفس المتأدب على مجامع الأدب: فالتأديب على ما أسلفنا جو وبيئة وثقافة نفسية قبل أن يكون رقابة على الجوارح والسلوك الخارجي. وفي الحديث المعروف بأمر الأولاد بالصلاة لسبع، ورد في نفس الحديث التفرقة بينهم في المضاجع لعشر: “مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ” [سنن أبي داود]، وفي الشرح: “جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ فِي الطُّفُولِيَّةِ، تَأْدِيبًا لَهُمْ وَمُحَافَظَةً لِأَمْرِ اللَّهِ كُلِّهِ وَتَعْلِيمًا لَهُمْ وَالْمُعَاشَرَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَأَنْ لَا يَقِفُوا مَوَاقِفَ التُّهَمِ فَيَجْتَنِبُوا الْمَحَارِمَ”[6].

 

ويحسن التأكيد في الختام على أن التأديب المؤثر على الحقيقة هو الذي يبدأ منذ الصغر، بل هو الذي يرافق الصغر بما يتواجد في محيطه من نماذج متأدبة على الحقيقة، لا ممن يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكرون وهم مقارفوه، ويسنون القوانين على غيرهم ليخرقوها هم.

هذا وكم في تراثنا من الآداب الشرعية والضوابط المرعيّة ما لو استقمنا به في نفوسنا لتأدبنا فأحسنّا التأديب!

 


[1] المغني لابن قدامة الحنبلي – كتاب الإجارات – فصل : وللمستأجر ضرب الدابّة

[2]  نفس المرجع السابق

[3]  “العِيال” لابن أبي الدنيا – بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ

[4]  عون المعبود شرح سنن أبي داود لآبادي – كتاب النكاح – باب في حق المرأة على زوجها

[5]  فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني – كتاب الأدب – باب الحذر من الغضب

[6]  عون المعبود شرح سنن أبي داود لآبادي – كتاب الصلاة – باب متى يؤمر الغلام بالصلاة



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك