“مقاربة الكفايات” بين رأي الخبراء و جشع السياسيين

7 سبتمبر , 2014

 

في بداية العام الدراسي لسنة 2006م، كنت ضمن مجموعة حضرت ملتقى دام ثلاثة أيام في مدرسة تكوين المعلمين حول المنظومة التعليمية الجديدة وطرق توصيلها للمستفيدين…
كان الحضور مكثفاً وتم توزيع المشاركين إلى ورشات عمل تقوم كل مجموعة بتدارس مصطلحات وتصويبها وإبداء الملاحظات عليها والإشكالات قبل أن يتقدم شخص من المجموعة لعرضها على المفتشين المشرفين على العمل قصد مناقشتها وتصويبها…. ؟؟

أثناء إحدى الجلسات وانطلاقاً مما يسمى في النظام التربوي الجديد: “مقاربة “الكفايات” بـ “الوضعية” طرحت على المفتش السؤال التالي:

سيدي المفتش: تقولون إن “الوضعية” المقدمة للتلميذ ينبغي أن تكون “دالة” أي من محيطه الذي يعيش فيه، ونحن من خلال الكتب المدرسية لا نلاحظ أن “الوضعيات” الموجودة بداخلها “دالة” فكلها لا تمت إلى محيط الطفل الموريتاني بأي صلة، فما السر وراء ذلك؟ وهل جربتم النظام الجديد “مقاربة الكفايات” على بعض المدارس قبل تطبيقه لتروا مدى استجابة التلاميذ لفهمه، ومدى قدرة المعلمين على تطبيقه، حيث أن المعلم في النظام الجديد يخوض معركتين:

معركة: ليفهم المصطلحات الواردة في “مقاربة الكفايات” من قبيل: الوضعية – التعليمة_ الهدف المميز_ الهدف الاندماجي_ الجذاذة……؟؟ 

ومعركة: مع توصيل المعلومة لعقول صغار يخضعون لتجربة سياسية في المقام الأول، ولم ترع فيهم إلا ولا ذمة.

كان جواب المفتش صريحاً، حيث قال لي بنوع من الحسرة : أخي لا تتعب نفسك، هذا نظام سياسي في المقام الأول تم تطبيقه بإملاءات لا علم للأسرة التربوية بها ولم يطبق تجريبياً في أية مدرسة، وفوق ذلك عارضه الكثير من الخبراء التربويين ….نحن أخي لا نتكلم عن أن “الوضعية”  “الدالة” تعني التلميذ في وقتنا الحاضر، وإنما التلميذ المستقبلي…..!!!؟
ثمنت صراحة المفتش في الإجابة وأُصبت بحيرة شديدة، فكيف بنا نتعامل مع نظام تربوي نعرف أنه لا يفيد هذا الجيل وإنما الأجيال القادمة-إن تحقق ذلك- مما يعني حتماً أن الجيل الحالي وقع تحت تجربة نظام تعليمي لم يٌستشر فيه الخبراء ولم يكن للأٌسرة التربوية أي علم به وبتقنيات توصيله مما سبب عائقاً في فهم “الأسرة التربوية” له وشكل ذاك انعكاس على المٌستهدفين “التلاميذ”.

إن نظامنا التربوي بحاجة إلى قرارات تكون صادرة من خبراء مؤهلين علمياً بعيداً عن القرارات السياسة التي فتكت به خلال العقود المنصرمة وأصابته في مقتل…

لقد كان من أهداف النظام التعليمي “مقاربة الكفايات” الذي شهدته موريتانيا مؤخرا1991م أن يٌكون جيلاً مزدوجاً يستطيع التعامل مع لغتين هما: “الفرنسية –العربية” وهذا ما لم يتحقق وأظهرت النتائج فشله، فعلى سبيل المثال كان من شروط التجاوز لمسابقة دخول السنة الأولى من التعليم الإعدادي أن يحصل الطالب على الأقل على 100نقطة 50 منها في مواد الفرنسية والخمسين الأخرى في مواد العربية وهو ما لم يتحقق وتم غض الطرف عنه قبل أن يٌغض الطرف لاحقاً عن المائة نقطة ويٌصبح المجموع المسموح للتجاوز به لا يصل إلى 90 نقطة في أغلب الأحيان .
لقد أكد غيرنا واحد من الخبراء التربويين والمهتمين بالمجال  أن برنامج “مقاربة الكفايات” بشكله الحالي لا يسعى لخلق جيل مزدوج اللغة بقدر ما يركز على خلق جيل في “منزلة بين المنزلتين” ضعيف المستوى في اللغة الفرنسية، وبعيد كل البعد عن العربية.

نحن بحاجة إلى وضع أسس تنطلق من الآتي:

بناء منظومة تربوية تربى النشء على القيم الإسلامية الأصيلة.

مراجعة كاملة للمحتوى التعليمي الموجود اليوم الذي يشتمل على نصوص لا تقدم للطفل أي شيء يستطيع من خلاله فهم الواقع من حوله وربطه بماضي أمته.

إعادة النظر في مدارس التكوين المعنية بتكوين الطواقم التربوية.

أن يتبوأ الأكفاء المكانة التي تمكنهم من اتخاذ القرار وهم كثر لكن عزوفهم عن التطبيل لكل الأنظمة جعلهم على الهامش.

تعريب التعليم ليتمكن التلميذ من فهم أكثر ويصل إلى مستوى الإبداع، ذلك أن الشخص الذي لا يقرأ بلغته “الأم” لا يستطيع الإبداع في أغلب الأحيان وهذا ما أكده الكثير من الخبراء اللغويين المختصين في مجال تطوير المناهج، على أن تكون هناك لغة ثانية يستطيع التلميذ من خلالها التواصل مع غيره والاطلاع على المعارف والعلوم التي أنتجتها الألسن الأخرى.

أما عن المنتديات اليوم فلتسمحوا لي بناء على ما جاء في انطلاقتها من خطابات أن أؤكد لكم أنها منتديات لتعميم قرارات سياسية في المقام الأول، ذلك أن أغلب الحاضرين والمدعوين لها سياسيون بدرجة أولى، فالحذر الحذر من اللعب بمستقبل أبناءنا لاعتبارات سياسية زائلة، فالتعليم أقدس من أن يكون لٌعبة بأيدي من لا يٌقيمون وزنا للمعرفة ولا عرفوا كيف تٌأكل كتفها.

باحث مهتم بأمور التعليم – موريتانيا

study_crop380w.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك