كم أشتاق إليك يامعلمتى

8 يونيو , 2013

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”756″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”359″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”404″}}]]

 

كانت ساعة المنبه تشير إلى تمام الساعة الخامسة صباحًا حيث بدأتُ وكما العادة أرتّب أغراضى ذهابًا لمدرسة لم أطق فيها أي أحد، كنت مجبورا على الذهاب مع أنى لا أستفيد منها سوى مشاجرات وعراك بشكل يومي، وسبب ذلك الشجار المصطلح الذي أطلق علي "الصغير الساكت المعزول عن جميع الطلاب "فأنا أعشق الجلوس وحيدا دائما لا أحب مخالطة غيرى سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، كنت أشعر بملل موحش وغربة قاتلة لمجرد أن تطأ قدمي أرض تلك المدرسة.

 
بدأت ذاك اليوم بدخولي للصف الثالث الابتدائي، كان ذاك فى شهر تموز (على ما أذكر)، كنت أدخل الصف لمجرد الدخول فأنا لا أطيق أي أحد، وأساليب التعليم التى يمارسونها لا تروقنى بتاتا؛ وطرق التلقين والضرب المستخدمة فى المدارس حينئذ تشعرنى بوجودي فى غابة لذئاب يعاقب فيها الجميع، لا وجودي فى مدرسة.
 
ولجت الصف فرأيته وعلى غير عادته فى جو من الضحك والقهقهة، لم أرهُ على تلك الحالة منذ انضمامى لتلك المدرسة، نظرتُ عليَ أستفهم من أي أحد سبب هذا الفرح المفاجئ في مدرسة كلها تعاسة، ظننت أنى ربما فى حلم أو تخيلات لم أبالى لضحك زملائى وفرحهم، أدرت وجهي ناحية الكرسي الذى لم يجلس عليه أي طالب من قبلى والذى سماه جميع من دخل ذلك الصف حتى المدير جميعهم سموه كرسي (غريب الأطوارْ) لأنى أعتدت أنا على الجلوس عليه.
 
وفى اتجاهى لذاك الكرسي المنبوذْ إذ بصوت ناعم الملمس أصابنى بقشعريرة فى الجسم أشعرنى أن من يحمل هذا الصوت لا يمكن أن يكون مدرسا، فالمدرس صوته خشن مخيف وهم بطبيعتهم لا يجيدون سوى الصراخ والضرب، التفت فإذ بها فعلا مدرسة! أو تقوم بعمل المدرسة تشرح درسا عنونته بكلمة فرنسية وهيAlphabet : نظرت إلى وجهها الملائكي وجدتها سيدة قد تجاوزت الأربعين، ابتسامتها أشعرتنى بطمأنينة لم أشعر بها من قبل؛ فى أروقة تلك المدرسة. فاجئنى كونها لا تضع عصى لضرب على الطاولة كما يفعل جميع الأساتذة بل أبدلت ذاك المشهد المتكرر على أعيننا يوميا وأبدعت فى منظومة المدرسة بشكل جذري حيث استبدلت تلك العصا بكرتون مملوء بالحلوى.

فقالت لي اقترب يا بني لِمَ هذا العبوس على وجهكَ ما لذى أغضبك ونحن فى هذا الصباح الجميل والطيور من حولنا تغنى فرحًا بضوء الشمس، والأزهار تطلق لحن الحياة، ونوافير المياه من حولك تعزف على أوتار السعادة. لمَ هذا الحزن لمَ؟ لم أعرف ماذا أقول؟ فجأة نطقت: وبصوت طفولي خافت لاشيء أنا مرهق فقط. قالت لي: تعال وخذ نصيك من الحلوى قلت لها لا داعى شكرا، فأنا لم أعتد على أخذ أي شيء من غريب هكذا أوصتنى أمي. قالت لى: أمك؟ أنا هنا مثلها لا فرق بيننا: إلا أنها هي أمك في البيت وأنا أمك فى هذه المدرسة، وأعتبرك فردا من عائلتي. قلت فى نفسي هل يعقل أن يوجد مخلوق فى هذه الدنيا بهذه الطيبة !لم أستغرب فدائما ما كانت تخبرنى جدتي أن النساء يمتلكن من طيبة الخلق وحب الخير للآخرين ما لا يمتلكه الرجال. وهذا الأمر تؤكده لي جدتي حين أرى ما تقوم به من عناء وجهد فى سبيل إسعادي. وبعد قناعتى بجميع ما قالت… ولأول مرة فى تلك المدرسة (ابتسمت) فقالت: إذا عد لمكانك فسنكمل حديثنا لاحقا، يا بني.
 
دق جرس المدرسة معلنا نهاية الحصة وشعر ت بإحساس غريب يخاطب ذاتي يا ليت الحصة لم تنتهي، كانت تلك للحظات مملوءة بالفرح والسعادة، وللوهلة الأولى أشعر أنى فى مدرسة وبين يدي معلمة، فإذ بها تقطع سلسة أفكارى تخاطبنى لمَ لمْ تذهب مع أصدقائك فى وقت (الفسحة)؟ أجبتها: أصدقاء؟ أنا لا صديق لي ولن يكون لي صديق فلا أحد يستحق الصحبة جميعهم خونة غدارون… يضحكون مني ويسببون لي المشاكل بصورة مستمرة. قالت لي والابتسامة تعلوا على شفتيها: لا أريدك أن تفكر أو تدخل فى نفسك هكذا أفكار، فجميعنا لا نستطيع أن نعيش بدون صحبة بدون حب بدون أمل فى الغد، فجميعنا نجرح ونتألم نحزن ونبكي ولكن هذا لا يعنى أننا سنعيش جميع حياتنا بحزنٍ وعناءٍ بل هو نوع من الاختبار والامتحان من ربنا جل وعلى لندرك أن الحياة لا تستقر على حال، غدا ستكبر وستتذكر كلامى هذا وتدرك حقيقته. 

آه يا معلمتى لقد كبر الصبي المعزول ورأى من العجب العجاب؛ كم أشتاق إليك يامعلمتى، أين أنت لآن؟!

 

طالب سنة أولى 

قسم الدعوة الإعلام

 

 

AxLD0S11082034.gif


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك