آهاتي.. مع أول بحث ألماني!

8 مارس , 2016

تخيّل نفسك، طالبًا مغتربًا على وشك ختام أول سنة في جامعة ألمانية، وكان كُل همك أن تنجح في امتحانات الرياضيات والفيزياء، مع أنك تدرس الهندسة البيئية، وبالكاد يتم الحديث عن البيئة، وتُفاجأ في الفصل الثاني، بمساق دراسي يتطلب منك إنجاز بحث في موضوعٍ ما ستختاره لك “الجامعة”!

يأتي يوم تسليم المهام، تبحث عن “رقمك الجامعي” فتجد رقمك ضمن المجموعة التي ستكتب بحثًا عمّا يُسمى (Geschiebemanagement) تتأمل العنوان مرة ومرتين وثلاث، فُجأة يقفز أمامك زميلٌ ليسألك: ما هو بحثك؟ ومن هول الصدمة؟ الصدمة، تعجز أن تلفظ العنوان وتقرأه بشكل خاطئ، تسأل نفسك، إن لم أفهم العنوان؟ فماذا سأكتب؟

“لا شيء” تُجيب نفسك، وتعود أدراجك وأنت تفكر؟ كم من الوقت سأصمد أمام كُل هذا؟ وكُلما تذكرت العنوان وحده ذكّرك أنك في الجامعة الخطأ وفي البلد الخطأ وأن عليك أن تفعل شيئًا واحدًا فقط، وهو المغادرة!

الحقيقة، وكي لا يبدو في الأمر مُبالغة، إنني عُدت وتوجهت لأفضل قاموس ألماني ألماني أعرفه (هنا) ورُحت أبحث عن الشطر الأول من عنوان البحث وهي Geschiebe فلم أجد إلا ما زادني قلقًا وحيرة، وجدت يومها (الدفع باستمرار) مما يعني أن عنوان البحث هو “إدارة الدفع المستمر” وعندما بحثت في الصور، وجدت صورًا لأنهار وحجارة فازددت حيرة وضياعًا، فقررت ألا أبحث في الموضوع، حتى ألتقي بالمسؤولة وأُخبرها بكُل الحقيقة، وفعلًا بعد الجلسة الاولى مع المسؤولة أخبرتها: “أنا لا أفهم عنوان البحث”!

Angst-vor-Vorträgen-5-Tipps-die-wirklich-dagegen-helfen1-520x520

حينها رسمت لي الـ Geschiebe التي عجّزتني، كان معناها “الرواسب المحمولة في قاع النهر” وهذه الرواسب عبارة عن حجارة “تزحف” و”تقفز” و”تتدحرج” في قاع النهر طيلة الوقت، وعندما تزداد قوّة دفع المياه، تزداد “حمولة القاع” هذه، وإذا حصل فيضان فإن ذلك يُمكن أن يؤدي بتغطية قرية كاملة بالرواسب النهرية، وبالتالي لا بُد من إدارتها!

لا شك أن اعترافي كان فاتحة خير بالنسبة لي، على الأقل تولّد لدي شغف بهذه الأشياء التي تجري في قاع النهر، والأدهى، أنه وبحسب علماء “المورفولوجيا” وهو علم تشكّل سطح الكرة الأرضية فإن هذه الحركة التي لا نُعيرها اهتمامًا ساهمت في جعل شكل الارض على النحو الذي نراه!

المهم، أن ذلك لم يكن إلا بداية الطريق، وبما أنني طالب أجنبي، توليت مهمة كتابة المقدمة فقط، كانت عبارة عن 5 صفحات فقط، أعرف أنها قليلة، فبالنسبة لمن يعيش الكتابة يوميًا فإن خمس صفحات ليست شيئًا يُذكر، ولكن عندما يجري الحديث عن “إدارة حمولة القاع من الرواسب النهرية” التي لم أفكّر بها يومًا، كان لا بُد من قراءة عشرات الصفحات حتى أستوعب الفكرة أولًا، ثم أبدأ بالكتابة، سأعترف أنني استغرقت أسبوعًا كاملًا في كتابة الخمس صفحات!

النُكتة، كُل النكتة أنني وبعد هذا العناء، اكتشفت أن الكتابة كانت مهمة سهلة جدًا، فالواقع أن ما كتبته حَظّي بإعجاب زُملائي والمسؤولة عنا ولكن الكارثة كُل الكارثة كانت يوم العرض، هذا اليوم يستحيل نسيانه، ولكن يكفيني الإعتراف بأن كتابة الخمس صفحات أرحم بكثير من الوقوف أمام جمهور من الطلاب الألمان، كيف لا؟ وأنا لم أكن قد أتممت فصلين من الدراسة بالألمانية ولغتي لا زالت “مكسرة” وفوق هذا أتحدث في موضوع بالكاد كتبت فيه 5 صفحات..!


كانت لحظات صعبة، لعلّي أكتب تفاصيلي في تدوينة قادمة 🙂



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك