أول فرصة عمل في ألمانيا!

12 أكتوبر , 2016

tumblr_m9ctw0pok41qfyikl

لطالما سمعت عن نقص القوى العاملة في ألمانيا، ولست وحدي فكثيرٌ من الناس قد يتخيّلون الشركات الألمانية ستقف لاستقبالهم في المطار للعمل في أروقتها، وفي الواقع فإن كل هذا هراء، فإن أكثر من يُسافرون إلى ألمانيا –حتى من حملة الشهادات الجامعية- يجدون أنفسهم وقد اضطروا للعمل في مجالات لم يعتادوا عليها، تمامًا كما اضطررت أن أعمل في مطعم ماكدونالز في أول أيام غربتي!

لا زلت أذكر نفسي وأنا أركب الدراجة الهوائية مُتجهًا إلى ذلك المطعم الساعة الثالثة فجرًا، وكيف مشيت في ذلك الطريق وفي تلك العتمة وكيف وقفت أمام المطعم لا أدري من أي مكان أدخل بعد أن اُغلقت ابوابه، حتى لمحتني إحدى الموظفات التي كانت تُغلق المحل، ففهمت أنني جئت للعمل.

لم أكن حينها أفقه من الألمانية إلا كلمات قليلة، ولكنها كان كافية ليتم قبولي للعمل وما هي إلا دقائق حتى تحوّلت إلى (عامل نظافة) يجب أن يتعلم كُل شيء بسرعة، وبدون رحمة، فحتى العمل في التنظيف في ألمانيا يتطلب مهارة في حفظ أسماء أدوات التنظيف بالألمانية وهو أمر لم أحسب له حسابًا من قبل، يومها حفظت مزيل الدهون ولكنني نسيت كل الكلمات التي ظل صاحب العمل يُعلمني إياها طيلة الليلة، مثل الممسحة والمكنسة وغير ذلك!

في تلك الليلة، عُدت وأنا مُنهك القوى، ولكن الأصعب من ذلك، أنني شعرت بأنني «عبد» في بلاد الحضارة والحريّة، كان الراتب يومها 6 يورو فقط، مع  أن العمل حينها كان ليلًا، وهذا يعني أن الراتب يجب أن يكون أعلى بكثير مما هو عليه، وبالمناسبة فالحد الأدنى كان حينها أكثر من ذلك، ولكن صاحبنا كان يشغّل المُعترين من أمثالي – ليست حُبًا في الإسلام والمسلمين او حتى الفلسطينيين، بل لأنه يراهم «مضطرين» يعملون مقابل أي أجر وتحت أي ظروف.

طبعاً، كان ذلك أول وآخر يوم بالنسبة لي، ولكنني عرفت تلك الليلة شابًا من غزة خرج ليدرس الطب على حساب أهله، وكانت حياته طبيعية ومرفهة جدًا حتى بدأ حصار غزة والحرب وانقطعت مساعدات أهله عنه، فاضطر للعمل في أي عمل كي يعيش وبدأ يعمل في النظافة، حتى كاد ينسى جامعته، والحقيقة أنني لم أر هذا الشخص فترة طويلة بعد أن تحدثنا وفضفض لي همومه ونحن عائدين من العمل تلك الليلة، ولكنني رأيته ذات يوم بعدها في المسجد مع كُل أغراضه وقد طُرد من السكن الجامعي لأنه نسي أن يُمدد إقامته هناك فطُرد وصار بلا منزل.

كُل ذلك كان في عام 2009، ولست أدري إن كان ذلك الطالب قد أنهى دراسة الطب أم إنه لا زال يعمل في النظافة، ولكن الذي رأيته من ذلك الحين حتى يومي هذا في ألمانيا، أن نسبة قليلة من الطلبة تعمل في مجال تخصصها، فكثيرون يضطرون للعمل في المصانع والمشاغل وبيوت العجزة أو في التنظيف في المطاعم وفي كل الوظائف التي يعزف عنها الألمان، وكان من أعجب ما سمعت في الآونة الأخيرة أن طالبة كانت تعمل في أحد المحلات في ألمانيا مقابل 3 يورو للساعة فقط، أي إنها كانت تتقاضى 24 يورو بدلًا من 70 يورو لكل يوم عمل، وأي ظلم أعجب من هذا؟ بالأخص أن الحد الأدنى للأجر في الساعة صار 8 يورو ونصف!

للأسف فإن هذه الطالبة ليست وحيدة، وقد يتخيّل البعض بأنني أتحدث عن طلبة ليس لديهم أي تحصيل علمي، ولكن في الواقع فقد عرفت طالبًا يحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال وهو يتمنى أن يتم قبوله للعمل في مطعم لسوء ما وصل به الحال، كما عرفت طالبًا درس الماجستير في الفيزياء النووية وهو من أصول باكستانية فرفضت الشركات تشغيله واضطر للعمل في مطبعة بورديات مسائية منهكة، وهذه ليست إلا عيّنة بسيطة، ضاقت بها الدنيا ولم تجد بُدًا من أن تكون في هكذا وظائف!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك