التعلم بالأسئلة.. لماذا نقرأ ولا نفهم؟

26 سبتمبر , 2016

طرح الأسئلة

ليس من الصعب أن نفهم المقالات التي نقرأها في الصُحف المحليّة أو المواقع الإخبارية، ولكن ماذا عن المقالات العلميّة الرصينة؟ والكُتب والأبحاث؟ الأكيد أن الوضع مُختلف تمامًا.. وفي بعض الأحيان يجد الواحد منّا نفسه يقرأ ويقرأ ولربما يُنهي المقالة أو حتى الفصل وكأنه لم يقرأ شيئًا .. مع أنه قرأ الكثير، فهل المُشكلة في القراءة نفسها؟ رُبما ولكن هل هذا كُل شيء؟ لا!

عندما بدأت دراسة الهندسة باللغة الألمانية، وجدت نفسي أقرأ الكثير الكثير من المواد ولا أفهم، مع أن المُشكلة لم تكن مُشكلة كلمات غالبًا، فأحيانًا يُمكنك أن تعرف أغلب الكلمات ولكنك لا تفهم، كما أن الرغبة بالفهم لم تكن المُشكلة ابدًا، ولا حتى نقص التركيز، ولأنني لا أطيق شعور الجلوس كالأحمق في مُحاضرة أو حتى أثناء القراءة.. كُنت كثير البحث عن حُل لأزمة الفهم تلك، فوجدته في “الضياع”.

يُقال دائمًا أن الطالب في السنة الأولى يُعاني من “حالة ضياع”، فقد يجد نفسه تائهًا في أروقة الجامعة أو المدينة الجديدة، أو لربما في ترتيب المواد التي عليها دراستها وكذلك ترتيب برنامجه الدراسي وأوقاته والأولويات، هذا غير التيه الفكري وهو يلتقي بأشخاص من كُل الأطياف الفكرية والمجتمعية، وبالألمانية يعبر عن هذه الحالة بكلمة واحدة هي (orientierungslos) وتعني بشكل تقريبي (بلا وجهة).

ولو تأملنا أنفسنا ونحن نقرأ بلا فهم، لوجدنا أننا نكون تمامًا كمن دخل على بيئة جديدة، لا يعرف فيها أحدًا ولا يعرف أين سيذهب بالضبط ولا كيف سيفعل بالضبط، لا يعرف أي منطقة هي الأفضل له ولا أي منطقة لا تعنيه بتاتًا، وقد يمشي ويمشي للوصول إلى ما لا حاجة له به فيعود خائبًا غالبًا، علمًا بأنه كان يمكن أن يكتفي بالقليل من المشي لو علم أن “المبنى” الذي يعينه كان قريبًا جدًا من مكان إنطلاقه.

للتقريب مثلًا، لنفترض أنك طالب هندسة في الفصل الأول، ووجدت نفسك تدرس مساق “أساسيات الكيمياء” وكانت “نظرية الاوربيتال orbital theory” ضمن المواد المطلوبة للامتحان، وقررت أن تكون طالبًا ممتازًا وبدأت تقرأ وتقرأ عن هذه النظرية وتُحاول أن تفهم كُل ما جاء في المحاضرة، فقد يذهب وقتك سدى دُون أن تفهم الكثير وربما لن تفهم شيء .. لأنك أساسًا لا تدري بالضبط، ما الذي يعنيك بالضبط من هذه النظرية وما الذي يجب أن تفهمه وما الذي لا يُهم إن لم تفهم منه شيئًا.

الآن، لو ذهبت بعدها لحل الأسئلة ستجد نفسك حائرًا، تقرأها وكأنك لم تسمع بالنظرية من قبل، والأكيد أن الأسئلة لن تكون صعبة، بل الأصل أن تكون سهلة وربما سهلة جدًا، ولكنك قرأت وحاولت أن تفهم كل ما ليس لك حاجة به في نظريّة يتصعب فيها طلاب الكيمياء أحيانًا، بيد أنك لو ذهبت وقرأت الاسئلة من البداية وقرأت بهدف البحث عن إجابات لأسئلتك، ستجد نفسك تقرأ وتفهم بشكل أكبر بكثير، والأهم أنك ستجيد حل الأسئلة غالبًا!

لست باحثًا في العلوم التربوية ولكنني متأكد، أن للأسئلة دور حيوي جدًا في العمليّة التعليمية، ويكفينا من الأسئلة أنها تحمينا من “الضياع” في كثير من الأحيان، وتجعلنا أكثر “تموضعًا” في النص، فنتحرك مع الكلمات بشكل حيوي وأكثر فاعلية، فنقرأ بعيون الباحث المُكتشف والشغوف بالعثور على نتيجة تُشفي غليل أسئلته.

وتمامًا، كما يهتم المعماري بتجهيز البيوت بكل وسائل الراحة كي يشعر أهل البيت بالراحة والأمان، فكذلك المعلومات لا يُمكنها أن تشعر بالراحة في عُقولنا دُون أن نُعد لها أماكن خاصّة هناك، نُحضرها ونرتبها لها بعناية كي تستقر وتعيش هناك بحيويّة، وهذا بالضبط ما تفعله الأسئلة، والله اعلم!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك