الحمد لله.. “سقطت” في البسيخومتري!

27 مايو , 2016

يقولون أن أصعب القرارات التي يتوجب على الإنسان اتخاذها في بداية حياته هي: ماذا سيُدرس؟ ومن سيتزوج؟ والأمر ليس بسيطًا “بالمرّة”، والكارثة كُل الكارثة عندما نذهب في طُرق لا نُريدها.. بسبب معايير “زائفة”، كما كان سيحصل معي في اختيار تخصصي الدراسي من خلال معيار أحمق جدًا يُسمى في بلادي “البسيخومتري”.

قبل 10 أعوام، كُنت قد أنهيت الثانوية بنجاح والتحقت بدورة تحضيرية لامتحان “البسيخومتري”، وبغض النظر عن التعريف الرسمي لهذا الامتحان، فقد كان بالنسبة لي أشبه بامتحان تقرير مصير، كُنت حينها أقول إنني لو حصلت على علامة عالية فإنني سأدرس الهندسة الكهربائية وإن كانت متوسطة فسأدرس الهندسة الصناعية أو هندسة المواد وإن كانت سيئة فليس لي إلا الهندسة الزراعية، والحقيقة أنني لم اكن اُبالي كثيرًا بماذا أريد أنا حقًا؟ وكأن المهم هو ما يُريده البسيخومتري لي!

في يوم إعلان النتائج، حصلت على نتيجة لم “أحلم” بها من قبل، فهي أسوء النتائج التي حصلت عليها طيلة حياتي مع أنني درستُ وقتًا طويلًا للامتحان ولا زلت لا أفهم ما الذي جرى، وللتوضيح فقط، فإن العلامة التي حصلت عليها حينها يُمكن الحصول عليها بالحظ ودون دراسة.

في ذلك اليوم لم أفكر إلا بشيء واحد: “الانتحار”، كُنت جاهلًا وغبيًا طبعًا، هذا ما اكتشفته ولا زلت اكتشفه يومًا بعد يوم، ولعلّ أفضل شيء فعلته أنني لم أكن عنيدًا حينها، ولم أكرر المحاولة، وهو ما يفعله كُل الطلبة تقريبًا حتى يحصلوا على مُرادهم، ولعل السر في ذلك أنه لم يكن لدي “شغف” حقيقي لا بهندسة الكهرباء ولا بالهندسة الصناعية أو حتى الزراعية، كُنت يومها شغوفًا بعلم النفس واللغة العربية وهندسة السيارات أيضًا، والتي لم تكن تُدرس في الجامعات في بلادنا.

 

الشغف

سأعترف أيضًا أن الطريق إلى “الشغف” لم يكن سهلاً، وأنا متأكد أن هناك أشخاص بيننا يعيشون ويموتون ولا يعرفون طريقًا إلى الشغف، بالنسبة لي فقد كُنت اضطر لأخذ حُبوب المنوم في بعض الأحيان، حيث كان البحث عن “الشغف” يحرمني من النوم، بل حتى عندما ظننتُ انني وصلتُ إلى مرادي، اكتشفت أنني لم أكن إلا في بداية الطريق.

بعد أكثر من عام من التفكير، قررت دراسة “الدبلوم في السيارات”، وفعلًا درست ونجحت دُون صعوبات دراسية، ولكن المهم أنني في نهاية عامي الأول كُنت أشعر أنني لستُ شغوفًا بالسيارات حقًا، فأنا أميل لركوب الدراجة أكثر من ركوب السيارات، فما لي ولهندسة السيارات؟ وهنا بدأتُ الاهتمام بالبيئة والحفاظ عليها من خلال هندسة السيارات!

شهادة “الدبلوم” مكنتني من العثور على فرصة عمل مميزة في شركة إنتل، حيث بدأت أرى عالم العلم والصناعة بشكل مختلف تمامًا، وهناك اكتشفت مثلًا مواضيع مثل “هندسة العمليات” و “الهندسة البيئية” و”هندسة الأمان” وهي مواضيع لم تكن واردة بالحسبان بالنسبة لنا في الثانوية.

بعد أن تركت “انتل” وقررتُ دراسة “الهندسة البيئية” في ألمانيا، لا زلت أفكر ببركات سقوطي في البسيخومتري، فالحقيقة أن “شغفي” بالمواضيع البيئية كان شفيعًا لي في إنتل، حيث بدأتُ العمل على ماكينات تُعالج الغازات الضارة بالبيئة وهي التي جعلتني أصل إلى تخصصي الحالي في ألمانيا وشق طريقي في الصحافة العلمية.

في النهاية .. لولا شغفي “أنا” ورغباتي “أنا” ما كُنت لأتقدم خطوة في حياتي، وفي النهاية فإن العلماء من الشرق والغرب يُجمعون أن السعادة كُل السعادة، أن تعمل ما تُحب .. وتدرس ما تُحب أن تدرس، لا أن تدرس كما يُريد لك البسيخومتري أن تدرس، أو أي امتحان آخر، وسواء نجحت في هذا الامتحان أم لم تنجح، فإن المهم والأهم أن تبحث في أعماق ذاتك، لتدرس ما تريد أنت، فقط أنت!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 3 تعليقات

سجى عبدالرحمن منذ سنتين

فخوره بابداعاتك وفخوره كونك مثقف في العالم وبالاخص في عالمنا العربي-فلسطيني

محمود وتد منذ سنتين

اخي عمر عرفتك في مناسبة بسيطة وجميلة اثناء حملة التبرعات للصومال … اقرأ مقالتك هذه بمتعة رغم انني مرشد يسيخومتري في اقرأ سابقا ومداد حاليا …

هذا المقال من اروع ما قرأت، كثير من المعايير المجتمعية تسقط كثيرا من احلام طلابنا ذوي الطاقات المختلفة في محالات “شغفهم” وذلك لقلة المرونة في التفكير واغتنام الفرص المختلفة في المجالات التي يحبونها وذلك لمعايير محتمعية زائفة.

دمت ذخرا لامتك .. الى الامام

ساره منذ سنتين

مستغربه من نفسي اني قاعده بعطي تعليق او رأي على اشي بتصفحه ،
بس فعلا ولا اراديا بلشت اكتب .
اللي قرأته اسا عمل كثير اشياء جوا ، كنت بحاجة هيك اشي ❤
فعلا رائع.
شكرا

أضف تعليقك