الحمراء: أولى صدمات الغربة في ألمانيا!

28 أغسطس , 2015

لم أتخيّل نفسي وانا أكاد أبكي وأختنق لمشهد الحمراء،، فلطالما عشقت ذكر الحمراء وغرناطة والأندلس، ومن عرف الأندلس وزارها يعرف أن لا شيء يُضاهي سحر التجوّل في دهاليز قصر الحمراء، النقوش العربية، الألوان، المياه والانعكاسات.. كُل شيء هناك رائع، بل إن الجلوس على تلّة البيازين وتأمل الحمراء من بعيد يشرح القلب. فلماذا الاختناق والبكاء؟ إنها  حمراء جوتغن Göttingen وليست غرناطة، أول عرض سكن حصلت عليه في ألمانيا!

في أول أيامي في جوتغن لم أجد سكنًا، دخلت بيوتًا كثيرة وتجولت في شوارع كثيرة أترقب أي إعلان أولافتة، اتصالات وبحث في الإنترنت دُون جدوى، حتى التقينا بمن نصحنا بزيارة “الحمرا” فهناك سنجد الغرفة بلا أدنى شك، وفعلاً مشينا حتى وصلنا المبنى من الطوب الأحمر، ولذلك كنّا نسميها “الحمرا”، أذكر أنها كانت كبيرة ومخيّفة، لعلها مكوّنة من عشرة طوابق وممتدة على مساحة جيدة، عند مدخلها ترى عددًا من الدراجات الهواية المهترئة ثم في قاعة الدخول هناك مكتب آخر مهترئ لا يشبه “ألمانيا” أبدًا، بل إن مشهد الموظفة يُشعرك أنها تعمل هناك من قلّة الحيلة، فما إن سألناها عن غرفة حتى راحت تعرض علينا الكثير من الغرف الفارغة بأسعار لم أتخيلها، فبينما كُنت أبحث عن غرفة بـ 200 – 250 يورو، وجدت الغرفة بـ 145 يورو فقط!!

 

في الغربة ومن كثرة مشاكل السكن، تفكّرت كثيرًا بمفهوم السكن، ولكن مع “الحمرا” كانت أصعب وأول عقبة، عندما فضّلت البقاء في غرفة صغيرة جدًا عند صديق العائلة بالكاد تتسع له، على أن أسكن في هكذا مبنى مخيف، حطّم كُل أحلامي الوردية عن ألمانيا، فقبل السفر كُنت أتخيّل أن أسوأ غرفة في ألمانيا رُبما ستكون مثل غرفة في فندق 5 نجوم في بلادنا! لا أريد أن أجزم ولكنني متأكد أن هذا “مرض” في كثير من العرب، يتخيّلون ألمانيا وكأنها جنّة الله على الأرض!

ولعلّ حالي أصلح بقليل من حال صديقي الذي جاء من إحدى المخيمات الفلسطينية في سوريا إلى ألمانيا، قال إن من شدّة مدح الناس لألمانيا وأوربا هناك، كان يتخيّل أن الناس “تقطف” النقود من الشجر في الشوارع وأن الروبوتات هي التي تعمل، مثل أفلام الخيال العلمي الأمريكية، ولكن الواقع أكد لي وله أننا كُنّا حمقى!

 

يكفيك أن تدخل بناية مثل (الحمرا) لتشتم رائحة الرطوبة تفوح في كُل مكان، ثم يكفيك أن تمر بالقرب من باب جارك “الحشاش” لتشتم روائح الحشيش تخرج من تحت الباب، ثم ترى أحدهم يمشي وعليه من الوشوم ما يُشعرك وكأنه ينتمي لمافيا عالمية، كُل هذه مشاهدات أوليّة فكيف بالحياة؟

 

ذات يوم سمعت من صديق سكن هناك عن عملية سرقة الدراجات الهوائية التي تحصل عندهم بكثرة، وذات يوم وبعد فترة مررت ليلاً بالقرب من “الحمرا” وكنت أضع سماعات الأذن واسمع لحلقة عن معركة كربلاء وإذا بأصوات مُرعبة تجتاح مسامعي، يومها ظننتها من “كربلاء”، وما لبثت حتى ازدادت بشكل مُرعب!!

نظرت خلفي وإذا بمجنون من مجانين الحمراء يخرج من المبنى وقد أصيب بنوبة عصبية، جعلته يصرخ بشكل أشعرني وكأنه يُطاردني، عجّلت في مشيتي حتى وصلنا إلى مفترق طرق، فذهب من طريق وذهبت من طريق.

لا شك أنها كانت ليلة مرعبة، ولا شك أن أوروبا ليست جنّة الله على الأرض ولا شك أنني كُنت محظوظاً لأنني لم أكن من أهل الحمراء !

 

لا شك ولا جدال، أن هذا لا يعكس حال كُل ألمانيا. ولكنه يقول إن ألمانيا وإن كانت بلدًا راقيًا، إلا أنها لا تخلو من فساد ولا مشاكل ولا حتى آهات!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك