الدراسة التي تجعلنا فاشلين!

25 يوليو , 2017

خلال حياتي الجامعيَّة لطالما طرَقَتْ آذاني نصائحُ من “قلب ورب” بأنَّ أفضلَ ما يُمكن فعلُه للنجاح هو تعلُّم كيفيةِ الجلوس للدراسة لساعات طويلة، طويلة جدًّا، بل إن بعض الزملاء كان ينصحني أن أترك كُل الأشياء التي لا “فائدة” منها حاليًّا كالتدوين والكتابة مثلًا، وأن أَنْكَبَّ على الدراسة، ولا شيء غير الدراسة!

بعض الناس كان يقول بأنه يدْرُسُ لثماني ساعات يوميًّا، ومنهم من كان يتفاخر بأنه يدْرُس 12 ساعةً، ولا يخرج من المكتبة إلا لحاجة ضروريَّة جدًّا، وفي البداية كُنت أنظر لهؤلاء نظرةَ “قَدَاسَة” كأنهم هُم المثال الذي يجب احتذاؤه، وللأسف قررتُ أن أُقَلِّدَهم تقليدًا أعمًى.. وبَدَأْتُ أرتادُ المكتبةَ من الثامنة صباحًا إلى آخر الليل فعلًا، أما أوقات الطعام فكُنتُ أعتبرها مضيعةً للوقت، ولا بد من تقليصها حتى بَدَأْتُ بالتفكير في تناول الطعام خارج المنزل توفيرًا للوقت، كما أنني لم أكن أتخيَّل أن يَمُــرَّ يومٌ دُون أن أذهب للمكتبة.

قد يهمك الاطلاع على

الكيمياء للأغبياء!

 

حتى في أيام العُطلة كُنت أسمعهم يتفاخرون بأن عليهم دراسةً، وألا وقت لديهم لأي شيء “غيرِ الدراسة” وكُنت أفعل كما يفعلون، بل كُنت أعاتب نفسي إن جلستُ يومًا دُون الذهاب للمكتبة، وكان الأمر أشبه بـ”جنون” وفي الواقع فإن البعض قد يتخيَّل أنني كُنت أُمْضِي الوقتَ كُلَّه في دراسةٍ، بَيْدَ أن الكثير من الوقت كان يَذْهَبُ سُدًى؛ فما أطولَ الجلساتِ التي كُنا نقضيها ونحن نتبادل هموم الدراسة وصعوباتها، بدلًا من استثمار الوقت في الدراسة حقًّا، كما أن هذا المكوث الطويل في المكتبة لطالما خدعني، بأن بإمكاني أن أَحْصُلَ على استراحة هنا وهناك، ثم يأتي آخر الليل فأَكتشفُ أنني لم أدرس كما ينبغي.

 

للأسف حين بَدَأْتُ أَرْسُبُ في الامتحانات، راح بعض الناس يؤكد لي أن السبب في رسوبي هو اهتماماتي الثقافية كالتدوين والكتابة، وبالفعل مع الرسوب في أكثر من امتحان كدتُ أَتَّخِذُ واحدًا من أخطر القرارات في حياتي، بترك كُلِّ هذه الاهتمامات إلى أجَلٍ غيرِ مُسمًّى، ولكن -الحمد لله- التقيتُ يومَها بزميلة كانت ناجحة جدًّا في دراستها، وكانت تتطوع في أكثرَ من مكان، كما كانت تعمل في أكثر من مكان أيضًا، وتخرَّجَتْ قبلي وقبل كُل أولئك الذين طالما قَدَّموا لي النصائح ونصَحَتْني –مع أنها لا تعرف ما أكتب وعمَّ أكتب- بأن ما أقوم به لا يجبُ تركه، بل يجب استغ لاله؛ لأنه سينفعني حقًّا، و”حرام” أن أتركه.

 

قد يهمك الاطلاع على

ماكينة “التهام العلوم”..!

 

لاحقًا قُمتُ بخطوة جريئة أكثر من أن أَكُفَّ عن الكتابة، فقد قررتُ الزواج مع أنني لم أنتهِ من دراستي بَعْدُ، وعلى الرغم من كُلِّ ما للزواج من التزامات فإنني اكتشفت فَدْحَ الشعور بالذنب الذي كان يتملكني كُلَّما قررتُ الخروج لندوة ثقافية أو أن أخصِّص وقتًا للكتابة عمَّا أحب .. وكيف كُنت أظلم نفسي حينما أحبسها في المكتبة لمجرد إيهام نفسي بأنه ليس في حياتي إلا الدراسة، وهذا التفكير مستشرٍ بين كثير من الطلبة، مع أن العلم الحقيقي لا يؤخذ من الكُتب ولا من الجامعات فقط، والأهم أنه “حرام” أن يحبس الإنسان نفسه في أنشط سنوات عُمُره في مكتبة لأجل التحضير للامتحانات، والامتحانات فقط، دُون أن يكون له أي اهتمامات أخرى .. بل دُون أن تكون له “حياة” في الواقع إلا “الامتحانات”.

الأكيد أن الكثير من نصائح أصدقائي كانت صائبة، إلا فيما يخص الوقت وتنظيمه، فأكثرها فاشلةً ومُحبِطة.

 

فالدراسة وإن كانت تتطلب منَّا الكثير من الوقت، إلا أن الكارثةَ كُلُّ الكارثةِ أن تشغلَنا عن كلِّ ما سواها، فنخرج من الجامعة أشبهَ بأطفال صغارٍ أذكياء، دُون أن نستفيد من كُل ما في الحياة الجامعيَّة من تجارِب غنيَّة، كالمشاركة في الأنشطة العلمية أو التدريبات العمليَّة والمحاضرات الثقافية غير المنهجية.

 

وقد وجدْتُ مِن الطلاب مَن لا يعرفُ حتى أبرَزَ ما في مدينته من معالمَ سياحيَّةٍ، بل إن بعضهم حدثني عن طلاب لم يعرفوا طَوَال غُربتهم في طلب العلم إلا طريقًا واحدًا هو الطريق إلى المطار، وهؤلاء يمثلون حالات متطرفة، ولكنهم يُجَسِّدون انعزال الطالب في كثير من الأحيان عن “الحياة” لظنهم أن “الامتحانات هي الحياة”، ولا يستغلون أوقات الفراغ إلا لمشاهدة أفلام “الأكشن” و”الدراما” أو حتى الدردشات الفيسبوكيَّة والمراسلات “الوتسابيَّة” أما “النشاطات المحترمة” فهي مضيعة وقت عندهم.

إنْ كان ثَمَّ شيءٌ يستحق التأمل في تجربتي، فهو أنني لم أعُدْ أفاخر بعدَّدِ ساعات دراستي، وسواء مكثت في المكتبة ساعتين أم عشرة؛ فإن هذا لن ينفع البشريَّة حقًّا، ما ينفع هو أن نَعِيَ حقًّا ما نَدْرُس، وأن نُكثِّر من تجاربنا في حياتنا الجامعيَّة، فكلما كانت أغنى .. كان فهمنا للأشياء من حولنا أعمق، وأعني هُنا كُل التجارب سواء كانت ثقافيَّة أم تجربة الزواج أو حتى العمل والكَسْب ..

هذه كُلُّها مُهِمَّةٌ وضروريةٌ وبدونها لن يكون فَرْقٌ بيننا –بوصفنا جامعيين- وبين أي طالب “شاطر” في مدرسة من المدارس!

قد يهمك الاطلاع على

فلسفةُ أن تتمنَّى الرُّسُوب!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك