الدراما التكوينية ووهج السلوك .. لماذا تأخرت في دراستي؟

20 يونيو , 2019

مُنذ سنوات والناس تسألني: وينتا بدك تخلص تعلم؟ وهناك من يتجرؤون بقولهم شو دعوتك لليوم ما خلصت؟ هذا غير الكثير ممن يُراسلونني على أنني أدرس للدكتوراه أو الماجستير.. ولا ألومهم؛ فنحن نعيش في عالم يُحاول أن يرسم لنا خطًّا أحاديًّا للتقدم، وهي مسالة تحدث عنها الكثير من علماء الاجتماع، ولأنني لست واحدًا منها، ولا يُمكنني نقد هذه الظاهرة ببراعة.. فإن كُل ما أملكه هو أن أدون تجربتي في صراعي مع الوقت والدراسة، عساها تُساعدكم في تأمل الواقع من حولكم من جديد! 

ضياع

يجب أن أعترف أنني كُنت ضائعًا في آخر أيام المرحلة الثانوية، أتذكر أنني كُنت أرغب بدراسة اللغة العربية وعلم النفس.. مع أنني كُنت أدرس في تخصص الفيزياء والكهرباء، فقد كُنت مُحبًّا للهندسة أيضًا، وما زلت أتذكر كيف كُنت أخبر بعضهم أنني سأدرس علم النفس أو اللغة العربية مع هندسة الكهرباء وهو خليط غريب، ولكنه جلب لي الكثير من النقاشات التي غيَّرت مجرى حياتي، أقنعني أحد أقاربي أن اللغة العربية لن تتيح لي أن أكون أكثر من أستاذ وتحت رحمة وزارة التعليم ونصحني بدراسة الهندسة.. وفعلًا بدأت أستعد لدراسة الهندسة ففوجئت أن المسألة ليست لعب أطفال، وعليَّ اجتياز امتحان البسيخومتري بعلامة ممتازة أو أن أكمل الدراسة في مدرستي الكلية التكنولوجية ما يُسمى صف 13 و 14 وأحصل على لقب هندسائي أو هندسة تطبيقية ثم أنتقل لجامعة..

وبالفعل بدأت، وكُنت أشعر أن الطاقم يستهين بنا كثيرًا إلى أن جاء ذلك اليوم، وقلت لأستاذي أنني أنوي أن أكمل في الجامعة بعدما أن أنتهي، ففوجئت به يثبط من عزيمتي بأن هناك لن يكون بمقدوري اجتياز امتحان الرياضيات؛ لأنها صعبة جدًّا.. وهنا أخذت قرارًا بأن أترك الدراسة في الكلية.. وأذهب للتحضير للجامعة، فقد شعرت بإهانة شديدة لي بأنني لن أستطيع واعتبرت ذلك تحديًّا لا يُمكن الاستسلام أمامه!

سنة بعد الدراسة

فعلًا تركت الكلية أواخر عام 2006، وبدأت رحلة طويلة جدًّا.. كانت بدايتها مُحاولة إجراء امتحان البسيخومتري الذي حصلت فيه على علامة سيئة جدًّا جدًّا يحصل عليها بعض الناس بالحظ وكرهت الامتحان ونفسي حمدت الله لاحقًا فبدأت التفكير بالدراسة في ألمانيا، وكان رد العائلة واضحًا: ليس معنا المال للدراسة في ألمانيا، فمكثت عامًا أعمل في وظائف صعبة كالحدائق والكراجات والمحاجر، ولم أصمد في أي وظيفة كثيرًا.. أكثر مرَّة صمدت فيها هي ثلاثة أشهر وهي العمل في سوبر ماركت، والمهم أن كُل هذه الوظائف جعلتني موقنًا بأنني لا أصلح لشيء صلاحي للدراسة، وكُنت أحن إلى مقاعد الدراسة بدون مبالغة وبالفعل بدأت الدراسة في كلية في تل أبيب في الهندسة التطبيقية في السيارات أواخر عام 2007، ليس حُبًّا في تل أبيب ولكن على أمل أن أكمل في ألمانيا بلد السيارات لاحقًا، حيث بدأت أولي اهتمامًا بالسيارات الصديقة للبيئة، وكُنت أطمح أن أتطور في هذا المجال!

رغم صعوبات الدراسة بالعبرية في البداية إلا أن الدراسة كانت سهلة فيما بعد غالبًا، وكُنت أستغل مُعظم أوقات الفراغ في مُطالعة الكُتب والتطوع في الجزيرة توك وفي تلك الفترة (2009-2008) عملت في الصحافة لأول مرَّة في حياتي في مجلة السعادة التي كانت تصدر في غزة، كما سنحت لي الفرصة لاكتشاف عالم الحركات الطلابية الفلسطينية في الجامعات الإسرائيلية.. ولتلك الأيام فضل كبير عليَّ، وإن قُلت أنني اكتشفت فلسطين في تل أبيب فلست أبالغ، بفضل شباب جامعة تل أبيب الشيخ مونس وبفضل زيارة أطفال غزة بمستشفى تل أبيب وزيارة المحاضرات اللامنهجية والمعسكرات الطلابية.. ومع ذلك ما إن انتهيت من الدراسة حتى كُنت قد جمعت مبلغًا صغيرًا من المال، يُمكن أن يكفيني لثلاثة أو أربعة أشهر في ألمانيا.. فحملت نفسي، وقررت السفر رغم أنني كُنت أعلم أنني قد أعود بسبب نقص إمكانيَّاتي الماديَّة!

سنة اللغة

كُنت أعلم أن دراسة اللغة لن تكون سهلة، ولكن الحقيقة أنني لم أشعر بحجم الخطوة التي أقبلت عليها إلا يوم تسلمت أول غرفة لي، وفي تلك الليلة لم يكن النوم سهلًا.. فالعثور على سكن وهي مسألة بالكاد نُلقي لها بالًا كاد يُحبطني، فكيف بما هو قادم؟ للأسف في مدرسة اللغة كان الكثير من الطلبة يثيرون الرُعب فينا من امتحان اللغة DSH  ونحن في المستوى الأول من أصل 5 مستويات.. حتى أن أحد الطلبة تحداني بأنني لن أنجح خلال الفترة المطلوبة.. وصدقت توقعاته، وفشلت بالفعل.. ليس مرَّة وإنما مرتين..

لكن المرة الثانية كادت تقضي على كُل أحلامي والطموحات، فقد تصادفت مع تجديد الإقامة وانتقالي لمدينة جديدة ويومها رفضت الموظفة تجديد إقامتي، فلم أكن قد وجدت مسكنًا بعد واضطررت لـالتزييف كي أسجل نفسي في المدينة بدون تسجيل لا يُمكن تمديد الإقامة ، وتعقدت الأمور لدرجة أنني وقعت مع ثلَّة من الشباب سامحهم الله جعلوني أكره اليوم الذي قررت فيه السفر إلى ألمانيا.. وبالفعل، يومها دخلت لأحد مواقع حجز التذاكر كي أحجز تذكرة العودة إلى فلسطين؛ لأنني سئمت من البحث عن سكن ومن طلبات موظفة قسم الأجانب في البلدية والسقوط في امتحان اللغة الألمانية.. وللعلم لم أكن كسولًا في ذلك العام، فقد كُنت أدرس بجد واجتهاد، إلا أن حظي كان مع امتحانات صعبة.. والحمد لله أن الثالث كان أسهل، وكُنت حضرت من أجله دورة تدريبية إضافية فنجحت بعلامة ممتازة، وانتهيت من هم اللغة.. ليأتيني هم ثالث، لم أحسب له حسابًا!

العمل في انتل

كان يُفترض أن أبدأ دراستي للماجستير في هندسة السيارات في صيف 2010 نعم تم قبولي دُون أن يكون معي بكالوريوس بشرط إكمال بضعة مواد وفرحت لذلك كثيرًا.. إلا أنني بعد النجاح في اللغة وصلت لي رسالة من الجامعة بأنه لا يُمكنني البدء بالتعليم في الفصل الصيفي، وعلي الانتظار 10 أشهر إضافية، فقررت ألا أعود إلى ألمانيا، وأغتنم الوقت وأعمل بـالشهادة التي حصلت عليها في تل أبيب لبضعة أشهر، ففوجئت بأن كُل أماكن العمل التي تقدم إليها لم ترد على رسائلي.. شركة واحدة تواصلت معي هي شركة إنتل العالمية وما إن تم قبولي.. حتى قررت عدم العودة لألمانيا لأن مثل هذه فرصة لا تأتي دائمًا، والأجمل أنني كُنت أعمل في مجال جديد تمامًا عمَّا درسته وهو ماكينات مُعالجة الغازات الضارة مما جعلني أقترب أكثر من عالم الهندسة البيئة، وانكشفت على عالم جديد لم أتخيل وجوده وأنا جالس أفكر بمستقبلي أيام الثانوية.. لهذا أجلت موضوع الدراسة وبقيت مُنقطعًا عن ألمانيا لحوالي عامين.. جمعت فيها ما يلزمني من المال كي أكمل دراستي في ألمانيا، ولكن هيهات هيهات للمصاعب أن تنتهي!

السنة الأولى والضياع

عُدت إلى ألمانيا بعد عامين من الانقطاع، وكانت لغتي الألمانية قد تدهورت بشكل مأساوي.. لدرجة أنني كُنت أزور محاضرات الكيمياء مرتين أسبوعيًا وبعد شهرين اكتشفت أنني كُنت أزور المحاضرة وإعادتها وأنا في ضياع تام، للأسف حصل معي الأمر نفسه في الرياضيات.. فقد كان مستواي قد تضعضع بالإضافة إلى أن تصليح الأساتذة الألمان كان تعجيزًا وفي أول امتحان رياضياتي سقط 70% من زُملائي وتم تقليل علامة النجاح إلى 30% تقريبًا.. بالإضافة إلى أفلام الرُعب التي بدأت أسمعها من الطلبة ممن سبقوني، وكانت أكثر قصة تُرعبني هي قصة الطرد من التخصص من كُل ألمانيا بعد السقوط في ثالث محاولة..

فمن يسقط في الرياضيات 3 مرات مع محاولة شفهية مع البروفيسور قد يُحرم من دراسة الهندسة في كل ألمانيا.. ولن أفصل أكثر، ولكن هذه القصة أرعبتني، وأربكتني، وجعلتني أتأخر أكثر وأكثر في دراستي، بالأخص أنني كُنت أعرف بعض الطلبة ممن طُردوا من الجامعة بالفعل.. وعمومًا فقد سقطت في كثير من المواد مع أنني كُنت أقضي معظم وقتي بين البيت والمكتبة فقط لا غير، ولهذا كثيرًا ما كُنت أفكر بترك الجامعة، إلا أن طالبًا تركيًّا تأخر في دراسته كثيرًا، أخبرني أنه مُصر أن ينال شهادته من هذه الجامعة المرموقة مهما تأخر.. إلا أن يطردوه وكان يؤكد أنه لا بُد لنا من المقاومة حتى آخر نفس! وقد أثرت في هذه الكلمات الجميلة، وبدأت أستعد للفصل الثالث ومعي ثلاثة مواد صعبة من العام الأول.. وكان هذا يعني أنني لن أتخرج في الوقت وأن الطريق سيطول!

التكملة في الجزء الثاني.. قريبًا!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك