الدلع.. في طلب العلم!

5 مايو , 2018

كي نكون صادقين مع أنفسنا، فإن الكثير منَّا يتقنون فن التباكي من آهات الدراسة وعناء التعليم؛ لأن أحد الْمُحاضرين طلب منَّا أن نقرأ بضعة مقالات أو لربما لأننا لم نحصل على علامة ممتازة بعد أن درسنا لأسبوعين أو لشهر.. ربما.

 

هذا غير أن بعض الطلبة لا يُمكن أن يتخيَّل نفسه قد تأخر عامًا عن موعد التخرج الافتراضي.. سواءٌ أكُنا نتحدث عن طلبة البكالوريوس أو حتى الدكتوراه، فإن الكثير منهم يحلم بالتخرج كي يرتاح من طلب العلم، مع أننا لو تأملنا أحوال العلماء كما يُشير د.عائض القرني في كتاب “إشراقات” وبالأخص فصل “خلاصة الكلام” سنجد أننا “نتدلّع” في طلب العلم، وهذه النماذج تؤكد هذا بالفعل!

 

التكرار.. يعلم الشطار!

إن كانت هناك وصفة تكرر في كُتب تنمية المهارات الدراسيَّة بشكل دائم، سواء في الكُتب العربية أو الأجنبية، فهي مهارة “التَّكْرَار” ولكن المثير أكثر حين نجد في تراثنا أن التَّكرار كان يقوم بمهمة ركيزة في حياة العلماء، بل يتناقل الناس أخباره في الكُتب، ويتفاخرون به بشكل لا نتخيَّله نحن بسهوله.

 

مصدر الصورة: موضوع

إن أكثرنا لا يتخيَّل نفسه يُكرر مادة مؤلفة من 14 مُحاضرة لثلاث مرَّات.. بينما نجد في تراثنا من كرر كتابَ المغني لابن قدامة عشر مرات علمًا بأن الكتاب يتألف من 15 مجلد، ولعل أشهر حكايات التكرار هي حكاية ابن سينا حين كرر كتابًا في الفلسفة حوالي 40 مرَّة قبل أن ييأس من فهمه، والمسألة ليست متعلقة بصعوبة المادة فقط؛ حيث نجد أن النيسابوري كرر كتاب صحيح مسلم 100 مرة ونجد أن الْمُزَني كرر كتاب الرسالة للشافعي حوالي 500 مرَّة.. والأكيد أن هذا كثير علينا، ولكن هذا يؤكد لنا ما قاله العقاد:

اقرأ كتابًا جيدًا ثلاث مرات أنفع لك من أن تقرأ ثلاث كتب جيدة!

 

التضحية.. بالنفس والمال!

لأن الدلع لا ينحصر في تأففنا من تكرار الكُتب والمحاضرات، بل من إعادة تعريفنا للتضحية في سبيل العلم، حيث صار بعضنا ينظر إلى الذهاب للمحاضرات – بالأخص تلك التي تبدأ عند الثامنة والربع صباحًا – باعتبارها تضحية كبيرة، هذا طبعًا غير من يدفع الأموال من أجل النجاح في الامتحان أو الحصول على بحث علمي بثمن باهظ؛ لأنه لا وقت لديه للبحث والكتابة.

 

مصدر الصورة : ويكيبيديا

 

بالعودة إلى سير العلماء، نجد الكثير مما يُخجلنا، فقد مشى أحمد بن حنبل ثلاثين ألف ميل في طلب حديث، أي حوالي 50 ألف كم، وقد يكون في هذا مُبالغة، ولكن من يرى مُسند الإمام فسيدرك حجم الجُهد المبذول فيه فهو يتألف من 52 مُجلد، وفيه ما يزيد على 26 ألف حديث.

ولم يكن هذا حال الإمام أحمد فقط، فقد سافر جابر بن عبدالله في طلب حديث واحد إلى مصر شهرًا وسافر ابن المسيب ثلاثة أيام في مسألة، ولا ننسى ابن بطوطة الذي طاف الدنيا، وصار عَلَمًا بين الناس.. ولكن الذي يجهله أكثرنا أن ابن بطوطة مكث حوالي 30 عامًا في رحلاته، ولاقى المصاعب الشديدة التي كاد يلقى فيها حتفه، وإذا كان ابن بطوطة كاد يضحي بنفسه في رحلاته، فإن الإمام أبا حنيفة قد باع بعض أثاث بيته في طلب العلم!

 

الصبر على النتائج

الأكيد أن التكرار والتضحية وغيرها من مهارات لا تكفي دُون “الصبر”، والصبر لا يعني هنا الجلوس لخمسة أو ستَّة سنوات على مقاعد الدراسة لنيل درجة مهندس أو طبيب أو مُعلم، ولكنه الصبر على الثمر، فجميعنا نعلم أن الشهادات ليست إلا أوقات وفي النهاية فإن الخبرة هي الامتحان الحقيقي، وقد تتجلى في البصمة التي نتركها في مجالنا.. وهذه تحتاج الصبر.

 

مصدر الصورة: المهندس

 

ابن حجر العسقلاني مكث حوالي 32 سنة في تأليف كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وهو من أهم كتب تفسير الحديث، أما الأصفهاني فقد مكث حوالي 50 عامًا في تأليف كتاب الأغاني وهو مؤلف ضخم جدًّا يقع في 25 مُجلد، وليس أعجب من هذا إلا حكاية ابن عساكر الذي مكث 60 سنة في العمل على كتابه الشهير “تاريخ دمشق”، وخلال هذه السنوات لم يترك عالِمًا ولا أديبًا ولا شاعر ولا أحدًا يعلم خبرًا عن دمشق إلا وسجلها عنه!

 

ختامًا، لا شك أن الوصول لهذه المراتب من الصبر والتضحية والاستعداد للتكرار ليست يسيرة، ولكن التذكير بها ينفعنا، بالأخص في اللحظات التي نتخيَّل فيها أننا نُضحي بالكثير، كي ندرك أننا ما زلنا لم نفعل إلا القليل.. إن أردنا أن نترك بصمة خلفنا! 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك