الرحلات التعليمية.. كيف يُمكن لرحلة أن تغير نظرتك لتخصصك؟

9 يوليو , 2018

من بركات تأخري في دراستي، أنني وصلت لقناعة ويقين بأن الجلوس في قاعات المحاضرات والتحضير للامتحانات بجد واجتهاد لا يُمكن أن يجعلنا نتميّز بسهولة.. ولعلّ قناعتي هذه كانت تتأكد وأنا أرى أكثر من 45 ألف طالب يجوبون أنحاء الجامعة، يدخلون إلى محاضرة ويخرجون ويُمتَحنون ويتخرجون.. بينما تجد النسبة الأكبر منهم لا تُبالي إلا بالنجاح والتخرج دُون أن تستفيد من الفرص التي تقدمها الجامعة، كـ “الرحلات التعليمية”، وهي فرصة للطالب لإعادة التفكير بنفسه وبتخصصه وبمشاريعه المستقبلية بالإضافة لأنها تجعلنا نقترب من العالم الواقعي ومشاكله بعيدًا عن المحاضرات والنظريّات.. ولهذا أكتب عن تجربتي مع الرحلات التعليمية التي استفدت منها وغيّرت الكثير من نظرتي لتخصصي!

 

هل أنت في التخصص الصحيح؟

أول رحلاتي التعليمية التي قُمت بها مع الجامعة كانت زيارة إلى متحف يُمكن أن نسميه “متحف النفايات” وهو متحف من بين متاحف مُتخصصة كثيرة منتشرة في أنحاء ألمانيا وفي العالم، وما يُميّز هذه المتاحف أنها يُمكن أن تختبر مدى ارتباطنا بالتخصص الذي ندرسه، فمن يدرس الهندسة البيئية ويرغب بالتخصص بإدارة النفايات ويجد نفسه يتجوّل في متحف كهذا وهو يشعر بالملل.. فلا بُد أن يسأل نفسه إن كان في “التخصص الصحيح”.

 

في هذا المتحف، تُعرض حكايات النفايات بشكل مشوّق.. ويُعرض لك تاريخ تطور الاستهلاك المنزلي وتاريخ تطور الطب الوقائي وكيف يرتبط هذا بالنفايات، ثم كيف بدأ تتطور حكاية جمع النفايات ومعايير السلامة والأمان التي يتم مراعاتها في هذه العملية.. مع صور من العصور الوسطى لإمرأة تسكب النفايات في الشارع وصور من أيام الحرب العالمية الثانية لأطفال يلعبون بداخل حاوية قمامة وكيف ساهم هذا في تطوير “هندسة النفايات”…

 

وكل هذه المواضيع قد لا تفيد من يدرس الهندسة البيئية بشكل مباشر لعمله، ولكنها توسع آفاقه ومداركه، وهذا ما يفعله هذا الصنف من المتاحف.

وقد زرت متاحف أخرى متخصصة في ألمانيا مثل متحف الشوكولاتة، ومتحف عطر الكولونيا في مدينة “كولونيا” الألمانية، ومتحف “الفن الاسلامي” في برلين، ومتحف “التحف التركية” في درسدين وآخر في كارلسروهي شمال الغابة السوداء، وهذه المتاحف وجدتها في إسطنبول بكثيرة مثل متحف العلوم والتكنولوجيا، ومتحف الفن الإسلامي وهناك غيرهما بالطبع، فهناك متحف في فلسطين المحتلة لقطارات سكة الحديد الحجازيّة في حيفا، ولا شك أن زيارة أي منها لا يكون ممتعًا إلا إذا كان الشخص مهتمًا بموضوع تخصص المتحف.

 

كيف تتحول النظريّات الجافة إلى مشاهد خالدة؟

 

إن الصور والفيديوهات التي ننبهر بها أحيانًا، لا يُمكن مهما بلغ بها التطوّر أن تكون بديلًا عن المُعاينة “الرؤية بالعين”.

 

وهذا ينطبق بلا شك حتى على المُحاضرات التي نزورها ونرى فيها الصور التوضيحية والفيديوهات كمحاولة لتسهيل فهمنا للنظريّات، وهذا ما كُنت أشعر به في كُل رحلة تعليمية، فتكون تصوّراتي عما نزوره من أماكن مُختلف عن واقع المكان!

 

كمثال، لا زلت أذكر كيف كان أحد أساتذتي ينتقد نظام إعادة التدوير الألماني، لدرجة أنه كان يؤكد لنا بما لا يدعو للشخص أن إحدى المعادلات التي ندرسها فيما يخص “المعالجة الحرارية للنفايات” أو بكلمات أوضح وأسهل “حرق النفايات” هي معادلات “سياسية”، وأن الكثير من النفايات في ألمانيا التي يظنها الناس تذهب لإعادة التدوير فإنها تُحرق أو كما يقولون “تتم معالجتها حراريًا”، ولم أكن أتخيل حقيقة الأمر حتى تم الإعلان عن رحلة تعليمية لإحدى المحارق، ولا يُمكنني أن أنسى مشهد “الحفرة” الضخمة والضخمة جدًا جدًا التي تُجمع فيه النفايات التي ستذهب للحرق لأنها بحسب التقديرات “غير صالحة لإعادة التدوير”، ثم شاهدنا ألسنة النيران وهي تلتهمها!

 

ومع أنني نسيت الأرقام والنسب بعد الامتحان بقليل إلا أن مشهد النفايات وهي تحترق في المعمل بدلًا من أن تتم إعادة تدويرها لا يُمكن أن يُنسى، ولست هنا لأقول أن الحرق هو خيار سيء، فقد شاهدنا التقنيات المتقدمة جدًا في هذا المجال، وبالتالي فإن هكذا زيارة تجعل الطالب يبدأ التفكير تجاه محاضراته بشكل أعمق بكثير من مُجرد حفظها عن غيب للنجاح في الامتحان!

 

ليس كُل ما يلمع ذهبًا

قبل أن أدرس تخصص الهندسة البيئية، كُنت أنظر إلى موضوع إنتاج البيوغاز بشكل وردي، فمعظم التقارير التي كُنت أطالعها كانت “تلميعيّة”، أي أنها تذكر لك كُل الإيجابيات دُون أن تذكر لك أي سلبية أحيانًا، وفي الكثير من المحاضرات الجامعية يتم الانشغال بذكر التفاصيل الدقيقة لمنظومة معينة دُون الانشغال كثيرًا بالإشكاليات المتعلقة بهذه التقنيات، فيتم الانشغال بأنواع البكتيريا التي تحلل المواد العضوية أو جودة الغاز وتركيبته أو حتى أنواع المعامل، ولا شك أن هناك أحيانًا أسئلة امتحان مثل “ما هي سلبيات منظومة إكس مقابل منظومة واي؟” ولكن حتى هذه الأسئلة لا يُمكن أن تكون واضحة بما فيه الكفاية، كي نُدرك حقًا الإشكاليات الحقيقية التي يواجهها أصحاب هذه المعامل.

 

في إحدى الرحلات التعليمية إلى أحد معامل إنتاج البيوغاز من النفايات، صادف وجودنا مع وجود فريق صيانة متخصص وكان أول ما قام بها المسؤول عن المعمل أنه أشار إلى المعمل وقال بكلمات واضحة وبسيطة يفهمها أي شخص: “ذاك هو المعمل اللعين” و”تلك شركة الصيانة تقوم بأعمال صيانة بتكاليف باهظة”!

 

وراح يتحدث عن هذه الإشكاليات بشكل واضح وبدون كلمات “مُبهمة” كتلك التي تكون في المحاضرات غالبًا، وهذا “الوضوح” يُفيد الطالب أكثر بكثير من الجلوس في محاضرات لا يخرج منها إلا بفكرة واحد: “كيف سأنجح بالامتحان؟” بدلًا من التفكير “كيف سأتصرف في مشروعي المستقبلي؟”!

 

التعلّم في أحضان الطبيعة

مع أنني لم أستطع المشاركة في بعض الرحلات التعليمية مع الجامعة، مثل رحلة قسم هندسة المياه إلى واحد من أكبر السدود المائية في منطقة جامعتي، إلا أنني قررت أن أذهب إليه بنفسي، ولا شك أن الذهاب مع خبير فيه فائدة جمّة، ولكن تجربتي تلك كانت مختلفة ومثيرة، فبناء السدود المائية هو علم واسع، وكم كان ممتعًا أن أرى تجليّات ما درسته حول أحد المواضيع لمدة ستة أشهر، فكنت أحاول أن أتذكر الأمور التي لم أفلح في فهمها بسهولة وأحاول أن أجد لها تفسيرًا بعيدًا عن الكُتب والبحث في اليوتيوب عن فيديو توضيحي مثلً.

فالسد أمامه والعلم في رأسه وعليه التفكير بما تعلمه من معلومات، وهذا هو “التعلم النشط” وهو متخلف عن “التعلم السلبي”، فالمتعلم يُحاول أن يجد لنفسه الأجوبة بدلًا من أن يستلمها جاهزة.

 

وعمومًا فقد زرت ذلك المكان أكثر من مرّة، ليس لتأمل السد فقط، بل لتأمل علاقتي بتخصصي.. وما الذي يشدني فعلًا لهذا التخصص، وهو سؤال لا بُد أن يتأمله الواحد منّا مرارًا كي يصل إلى أفضل “معادلة” يُمكنه أن يضع بصمته الخاصة في تخصصه، بدلًا من أن يكون مُجرد نسخة أخرى من ملايين النسخ حول العالم!

 

الفرص كثيرة.. لكن من يستغلها؟

مع أنني لم أنبهر كثيرًا بأسلوب المحاضرات في جامعتي الألمانية – باستثناء ثلة من المحاضرين أحببتهم جدًا – إلا أن اهتمام الجامعة بالرحلات التعليمية كان مميزًا، وكان اختيار الأماكن ممتازًا غالبًا فلم أندم على أي رحلة قُمت بها، بل إنني نادم أنني لم أقوم برحلة تعليمية طويلة ضمن ما يُسمى Exkursionswoche أسبوع الرحلات التعليمية، وهو أسبوع رحلات تعليمية مكثفة مع مبين.

 

واهتمام الجامعة بهذه الأنشطة التعليمية لا ينتهي هنا، فهناك مشروع Job shadowing الذي يُمكن الطالب من العمل في مهنة ما ليوم واحد، كي يتعلم على المجال في شركة متعاونة مع الجامعة ويكون هذا اليوم أشبه برحلة تعليمية أو مُرافقة خبير.

هذه الفرص الجليلة لا بُد أن يستغلها أي طالب، سواء كان في ألمانيا أو في أي مكان آخر، وسواء كانت الجامعة تنظمها أم لا، بل يسعى هو ليخلقها ولا يتردد، فقد راسلت يومًا إحدى المسؤولين عن مشروع نظري قُمت به وفوجئ جدًا عندما علم برغبتي بمعاينة التجارب العملية التي سيقومون بها، فرحب بالفكرة، وبالفعل زرت أحد زملائه في المختبر واستفدت يومها استفادة جمّة، لم أتعلم عن مشروعي فقط، بل تعلمت كيف يُمكن لأفكار نراها معقدة جدًا أن تتحول لخطوات متسلسلة وبسيطة في المختبر، لا تحتاج لآينشتاين ولكنها تحتاج لإنسان يعشق المحاولة والتجربة والتعمق في تخصصه!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك