الريتالين: حل سحري للتشتت أم سُمّ خفي؟!

27 يونيو , 2016

 

أحيانًا يجلس الواحد منّا للدراسة، فيتناول الكتب ويبدأ، ثانية ثانتين ينظر يمينًا ثم يُسارًا، يرى القلم الذي سيكتب به، يتذكر أن ذلك القلم هديّة من شخص عزيز، يتذكر آخر مرّة قضاها معه، يُخرج الهاتف من جيبه، ويبحث عن اسمه، ليبدأ بكتابة رسالة إلى الغالي: “أتذكر القلم الذي أهديتني إياه…”، وينهمك الإثنان في محادثة، قد لا تنتهي إلا بعد نصف ساعة أو أكثر، وقد تلحقها رسالة هنا و”طلّة” على الفيسبوك ثم كأس قهوة ثم شاي وشوكلاتة، كُل ذلك للتركيز فينتهي اليوم، بلا حبّة تركيز!

focus-saidaonline

إن كُنت تعيش هكذا حالات بشكل مستمر، حتى لو أغلقت الهاتف ولو قمت بـإيقاف حساب الفيسبوك، فيبدو أنك أنت الآخر لو ذهبت إلى طبيب فإنه لن يُخبرك أنك مصاب باضطرابات الانتباه وفرط النشاط، ولكنه قد يُعطيك على الأغلب دواءًا واحدًا يُسمى: “الريتالين”. لا تقلق ولا تخجل، فلست وحدك بلا شك، ففي أمريكا مثلًا من بين كُل أربعة طلاب يوجد طالب يأخذ ريتالين. المثير في الموضوع أنه ليس الطلاب فقط من يأخذون “حبّة التركيز” ولكن البروفيسوريّة ( الأساتذة ) يأخذونها وبحسب الإحصائيات فبين كُل خمسة أساتذة هناك واحد يأخذ الريتالين. بل إن (الريتالين) يُعتبر موضة في بعض الأوساط الطلابية، لدرجة أن هناك حوالي 6 مليون متعاطي للريتالين في أمريكا، وفي ألمانيا 700 ألف و10 مليون آخرين حول العالم!

 

من أين جاءت موضة الريتالين؟

لا شك أن نظام التعليم اليوم لا يرحم أحدًا ولا يراعي الاختلافات بين الطلاب ولا يحترم العقل كما أشرنا في مقالة “التعليم المُنصف للعقل” ، فعندما يتم العمل بكُل جهد على حشو دماغ الطلبة بالمعلومات بأي طريقة ممكنة، فكيف لطالب مُصاب فعلاً باضطرابات الانتباه أن ينجح؟ وكيف له ألا يشعر بالإحباط؟ بالتأكيد إن هذا الطالب ليس فاشلًا كما يتصوّر الأهل حيث تؤكد الدراسات أن كثيرين من هذه الفئة هم موهوبون وأذكياء ولديهم سيرة ذاتية مميزة. ثم ماذا عن الطلبة الذي يُعانون من عدم التركيز لأسباب مُختلفة كالوقوع في مشاكل عاطفية في فترة الامتحانات؟

لا شك أن الامتحان لن يتأجل ولا شك أن الجامعة لن تعفي شخص من امتحان فقط لأنه يُعاني من اضطرابات الانتباه، ولا شك أن الشركة المرموقة لن تقبل شخص مع علامات سيئة ولن تهتم إذا ما كانت علاماته سيئة.

بالإضافة إلى مشكلة نظام التعليم من الواضح أن هنالك فائدة تجارية من تعاطي الريتالين، لذلك ليس غريبًا أن نرى استهتارًا في إمكانية الحصول عليه، وشيء آخر هو سهولة الفكرة – حبة واحدة تجعلك في قمة التركيز كما يُقال عادةً (وهذا غير دقيق علميًا) من هنا نستنتج أن هنالك العديد من الطلاب والأهالي والمعلمون يفضلون حل الحبة السحرية بدلًا من أي جهد مبذول في أي طريقة أخرى – غير كيميائية- لتركيز أفضل. فما العمل؟

ببساطة وكما أخبرني صديق جرّبها: حبّة ريتالين واحدة تمكنك من أن تنسى العالم من حولك ولا تفكر بشيء إلا بالامتحان والمادة التي أمامك، فيُمكنك أن تدرس مثل ماكينة وأحسن، جرّب ولن تندم!

 

000780440

لماذا لا أجّرب؟

حتى صديقي اعترف لي مرّة بأنه اغترّ بمفعول الريتالين، فراح وأخذ بدل الحبّة حبتين وإذا به يشعر وكأن صدره ضاق فُجأة، ودقات قلبه راحت تتسارع بشكل “مجنون” وكأن عيونه تخرج من رأسه لدرجة أنه شعر بقُرب الموت. هذا الشعور لا يرويه صديقي وحده فحسب، فأحد الكُتّاب على موقع صحيفة دِي تسايت الألمانية يتحدث عن تجربة مُشابهه ولكن بعد أن قام بشم الريتالين بدلًا من بلعه، كما يفعل مدمنو المخدرات وبالأخص الكوكايين، وإذا به ينقلب رأسًا على عقب فيقول إنه رأى اليكسندر هامليون المطبوع على ورقة العشرة دولار وكأنه شارب من شوارب هتلر!

 

الكوكايين والريتالين .. توأم؟

بحسب دراسة في معهد الدراسات الجينية في جامعة (أوته) الأمريكية فإن هناك تشابهًا كبيرا جدًا في البنية الكيميائية بين الكوكايين والريتالين، كما أن كليهما يُعتبر من المنشطات “Stimulant” حيث يزيدان من اليقظة والإنتاجية، وكلاهما يُمكن أن يؤدي إلى تغييرات غير مرغوب بها في الدماغ ويؤثران على تطوّره على مر الزمان، وكلاهما يُمكن أن يؤدي للموت إذا تم استخدامها بصورة خاطئة، فمع شراء الريتالين في ألمانيا مثلاً يُكتب عليه: “إن أي استخدام خاطئ لمنشطات الجهاز العصبي يُمكن أن تؤدي إلى موت فُجائي”. كما أن التعامل مع الريتالين في ألمانيا يكون فقط وفق قانون المخدرات وبالتالي يجب أن يحصل المستخدم على إذن طبيب قبل استخدامه وإلا يُعاقب، بل إن احد أساتذة جامعة (جوتنغن) الألمانية يعتبر الريتالين بمثابة كوكايين بتركيز مخفف. ولكن لا شك أن هناك جدلًا واسعًا بين العلماء في هذا الشأن، وعمومًا فإن الريتالين لا يؤدي إلى الإدمان مثل الكوكائين، ولكن له بالطبع عوارض سلبية أخرى.

 

عندما “يخطئ” الأطباء!

الكارثة التي تواجه العالم اليوم، أن أعداد الأطفال الذين يتم تشخيصهم على أنهم يُعانون من اضطرابات قلّة الانتباه ADHS أكثر بكثير مما يُفترض أن تكون عليه في واقع الأمر، لدرجة أن حجم الأرباح من حبّة الريتالين يبلغ حوالي 460 مليون دولار، ولذلك نجد الكثير من الخبراء في سويسرا ضد استخدام الأطفال للريتالين، بدعوى أنه يجعل كُل سلوكيّاتهم متأثرة بالكيمياء، كما أنه يمس بحريّة الطفل ويؤثر سلبًا على تطوّر شخصيته. وبحسب الخبير (بيتير ريديسير) فإن النشاط الزائد يُمكن أن يكون إشارة إلى اضطرابات عميقة، مثل الاكتئاب، والتي يجب علاجها بأدوات أخرى وليس بالريتالين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] الّتي نطرحها. يسألني النّاس في بعض الأحيان: هل تؤمن بالريتالين؟، وردّي هو أنّه ليس مبدءً دينيًّا، إنّه علاج، ومثل كلّ […]

[…] الّتي نطرحها. يسألني النّاس في بعض الأحيان: هل تؤمن بالريتالين؟، وردّي هو أنّه ليس مبدءً دينيًّا، إنّه علاج، ومثل كلّ […]

أضف تعليقك