العلم الذي لا يؤخذ من الشيخ Google!

20 فبراير , 2018

ليست عندي مُشكلة في الاعتراف بأن جوجل يُشكل جُزءًا أساسيًا في حياتي، وأنني أكن له الكثير من التقدير، بل إنني كُنت ألقّبه “الشيخ جوجل” مثل الكثيرين حولي من المنبهرين بقدراته في معرفة كُل شيء وبأقصى سرعة، ولكن القليل من التأمل يجعلنا نُدرك أنه أغبى مما نتوقع، ونكون أغبى إذا اعتمدنا عليه في كُل شيء، وتخيّلناه مبلغ العلم!

 

مُشكلتي مع “الشيخ جوجل” بدأت حين وصلتُ إلى مرحلة الاعتماد عليه في كُل سؤال، سواء في الدين أو الأدب أو حتى الهندسة، وكأن الإجابات هي وحدها التي يقدمها لي، وكأنه لا قيمة لكل تلك العلوم والمعارف المدوّنة في الكُتب والتي لم يُكتب لها النشر في الانترنت أو حتى التي قد تكون موجودة بالفعل، ولكنها تُصنف باعتبارها نتائج هامشية ويُمكن العثور عليها في الصفحة التاسعة من ملايين النتائج التي نحصل عليها والتي لا نرى منها إلا أول صفحة أو لربما صحفتين في أحسن الأحوال!

أكثرنا يفعل هذا، علمًا بأننا لو قررنا البحث في نفس الموضوع بالاعتماد على غير جوجل، مثل المكتبات العامة – المُحترمة – سنجد أنفسنا نحصل على ترتيب مختلف تمامًا للنتائج، وقد نجد أن النتائج التي وضعها لنا جوجل في آخر الصفحات، هي الأولى على رفوف المكتبة. هذا غير أن جوجل نادرًا ما يسمح لنا أن نعطي كُل شيء قدره، فمن يبحث عن الحضارة الإسلامية ثم يقرأ اسم الشيخ محمد الغزالي أو حتى الدكتور عبد الوهاب المسيري في قائمة النتائج مع كتاب ومفكرين آخرين فقد يُخيّل إليه إن لم يكن يعرف المسيري والغزالي من قبل أنهم مُجرد شخصيات. بينما البحث في المكتبة – على سبيل المثال لا الحصر –  يُمكن أن يكشف لنا بمجرد المرور عن مؤلفاتهم في زاوية الفِكر الإسلامي وهي تتكرر أمام أعيننا، أن هؤلاء أولى بأن نقرأ لهم، قبل أن نقرأ ما جاء في صفحات المنتديات أو بعض المقالات التي كتبها أشخاص لا خبرة لديهم لا في الإسلام ولا في الفكر!

 

المسألة ليست هنا فقط، بل من المؤسف أنها في العلوم والهندسة أخطر بكثير، ففي مجال الهندسة البيئية مثلًا هناك مواقع ومؤسسات بحثية تكون مدعومة من جهات لها مصالحها الخاصة، وبالتالي فإن الكثير مما يُكتب ويُنتشر ويتصدر النتائج الأولى قد يكون مضللًا بالأحرى إذا كان تمويله كبيرًا، فيبدأ الكثير منّا – كعرب مثلًا – بالترجمة عن تلك المواقع وبكل حماسة ودُون أي خبرة حقيقيّة بالموضوع، وكثيرًا ما نكتشف ذلك بعد فوات الاوان وبالأخص إذا كانت تلك المعلومات ستثير بعض المُبادرين للقيام بمشروع اقتصادي أو ما شابه.

 

أعترف مثلاً أن الكثير من المقالات التي قرأتها في مجال تخصصي حول إنتاج البيوغاز من مخلفات الطعام كانت تؤكد بشكل لا يدعو مجالاً للشك أن الفكرة عظيمة وتستحق التطبيق، وفي الكُتب الدراسيّة أو حتى المُحاضرات، فإن جُل الاهتمام يكون مُنصبًا على شرح طريقة عمل المنظومة فقط، دُون التركيز على المشاكل التطبيقيّة للنظام.

ذات يوم وفي زيارة لإحدى الشركات التي تُنتج البيوغاز من فضلات الطعام، صادف موعد زيارتنا مع موعد الصيانة، ولم يستطع مدير المصنع أن يخفي عنا مدى الإشكاليّات و”وجع الرأس” الذي يعانيه مع إنتاج هذا الغاز من النفايات العضوية، وأنه لولا التمويل الحكومي من خلال “رسوم النفايات” التي يدفعها المواطنين لكانت فكرة تشغيل هذا المصنع مستحيلة، والأهم من كُل هذا أن من يُشاهد الفيديو الخاص بالمصنع على اليوتيوب لن يتخيّل أن يصف المدير هذا الجُزء من المصنع بأنه “لعين” أو “شايسي Scheiße” كما يقول الألمان عندما يشتاطون غضبًا!

 

هذه التجارب تؤكد لي شيئًا واحدًا مُهمًا، هو أن الجلوس والاكتفاء بـ Google  أو حتى بالكُتب والمقالات يُمكن أن تنفع بحدود فقط، ولكنها لن تكون أنفع من مُجالسة العلماء وخوض غِمار التجارب . فشتّان شتّان بين من يقضي حياته يقرأ في أدب الرحلات وبين من يحزم أمتعته بعد أن يُطالع ما ينفعه ليسير في الأرض. لا يستويان كما لا يستوي الباحث على جوجل والباحث في الكُتب وميادين الحياة!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك