العمل بلا شهادة.. في «عصر الشهادات»

8 مارس , 2018

نحن لا نُحب استهلاك الملابس ولا حتى الهواتف والأجهزة الذكيّة فقط، فحتى العلم والشهادات باتت سلع تُباع وتشترى في بعض أسواقنا، فمثلًا ثمن شهادة الدكتوراة في مصر يصل إلى 3500 دولار، وهناك دول قد يصعب فيها شراء شهادة، بيد أن الطلاب فيها يشترون الامتحانات أو حتى البحوث بأسعار مُغرية.. وكُل ذلك في سبيل الحصول على الشهادة، هذا طبعًا غير آلاف الأكاديميات “الوهميّة” التي توزّع الشهادات دُون أي مراعاة لأحقية حامل الشهادة بها، وفي ظل هذا الهوس.. ننسى أحيانًا أن الهوس الحقيقي يجب وينبغي أن يتحوّل إلى ما هو أهم وهو: الخبرة!

يمكنك الاطلاع على:

علماء بلا أخلاق: كيف يتلاعبون بالعلم؟

في كُل عام يُنظم في جامعة آخن الألمانية معرض للشركات الألمانية المعنية باستقطاب الطلبة والخريجين الجدد، ومُنذ 4 أعوام وأنا أزور هذا المعرض بهدف واحد ووحيد هو: التعرف على عقليّة ونمط تفكير العاملين في أقسام التوظيف والإدارة، وكان يشغلني دائمًا مدى الوزن الذي تحظى به الشهادة والعلامات في قرار القبول لوظيفة ما، ومع أن هناك الكثير من الشركات التي ترى بأن العلامات والشهادة شيء مهم، إلا أن الكثير منها كان يعتبر أن هناك الكثير مما هو أهم من الشهادة مثل التجارب التي يخوضها الطالب خلال دراسته كالتطبيق أو التدريب الميداني ومعرفة اللغات الأجنبية والمهارات الشخصية مثل مهارات التواصل.. ولكن المثير أكثر أنني وجدت أحد المُدراء يُخبرني قائلًا:

“الشهادات لا تُهمني بتاتًا، وحتى لو لم يكن معك أي شهادة يُمكنني قبولك الآن للعمل بشرط واحد: أن تُقنعني بقدراتك المميزة في البرمجة!”.

 

عندما حدثت أحد أصحابي بما قال الرجل، أكد لي أن له قريب ذكي يعمل في شركة برمجة مع أنه فشل في إكمال دراسته – لظروف خاصة – ويتقاضى راتبًا ممتازًا جدًا، وقد يزعم قارئ أن هذا حِكرًا على مجال البرمجة، ولكن ما حدثني به أحد أصحاب الشركات الهندسية في مجال فن العمارة والتصميم الداخلي في فلسطين يؤكد أن هذا ممكنًا حتى في مجال العمارة، حيث أخبرني أنه لا يُبالي كثيرًا من أي جامعة يأتيه الموظف، والمهم أن يكون قادرًا على الرسم بشكل احترافي على أحد برامج التصميم الهندسي المعروفة، ولا شك أن هناك مجالات لا يُمكن العمل فيها إلا بشهادة، ولكن حتى تلك المجالات وفي ظل تصاعد أعداد الخريجين فإن معيار الشهادة والعلامات لا يُمكن أن يكون المعيار الرئيسي، ففي النهاية لا يريد منك صاحب العمل أن تُعلق له الشهادة، بل إنه لا يريد منك إلا إنجاز المهام بأفضل طريقة ممكنة!

 

منذ فترة نشرت على شبكة زدني تقديمًا لكتاب “عظماء بلا مدارس” وفي الكتاب حديثًا موسعًا عن رجل الأعمال السعودي الأبرز وهو الشيخ سليمان الراجحي، وتجربته مثيرة جدًا وتستحق القراءة بلا شك، فالشيخ لم يدرس إلا للصف الثاني ولكنه صاحب خبرة واسعة في السوق ومُتطلباته بالأخص وأنه قضى طفولته في السوق وتتلمذ على يد التجار والتجارب التي خاضها إلى أن بلغت شركاته ما وصلت من نجاح بالإضافة إلى اهتمامه بتطبيق الكثير من الأفكار البيئية الرائدة في الصناعة “السعودية” والتي لم يلتفت إليها كبار خريجي كليّات ادارة الأعمال والهندسة إلا منذ وقت قريب!

 

هذه التجربة، لا نجدها في الكُتب فقط، بل حتى لو تأملنا الواقع من حولنا سنجد الكثير من رجال الأعمال قد تفّوقوا بسبب خبرتهم والتجارب، وإذا تحدثنا عن عالم الكتابة والصحافة سنجد أن كبار الكُتاب من أمثال العقاد والرافعي قد أبدعوا مع أن كلاهما لا يحمل البكالوريوس في الصحافة أو الأدب ولا حتى الثانوية العامة، وحتى في شبكة الإعلامية مثل الجزيرة، هناك الكثير من العاملين فيها من خريجي كليّات الهندسة وكُل ما يعرفونه عن الصحافة هو من وحي التجربة والتعلم الذاتي فقط…!

 

الأكيد أنني لا أكتب ما أكتب كي أقول أن الشهادات ليست مُهمة، فالكثير من الأعمال الهندسية والطبية التي تتطلب المسؤولية القانونية تحتاج أن يكون الشخص مُتعلمًا وحاملًا لشهادة ما، ولكن حتى في هذه الأعمال فإن العمل بلا علم أو خبرة كافية يُمكن أن يودي بالشخص إلى السجن إذا ما اقترف أي خطأ فادح، وبالتالي نعود ونقول أن كثرة الشهادات لا يكون لها أية قيمة، إن لم يكن عند صاحبها العلم والخبرة اللازمة!

 

ملاحظة: إن فهمت أنني ضد التعليم الجامعي والحصول على شهادة، فأنت لم تفهم المدونة!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] بيت الحكمة، لم يكن طلب العلم يُختزل في الحصول على شهادة يُفاخر بها الطالب أما أصحابه و”أهل الحارة”. كانت […]

جمال البورنو منذ 9 شهور

مقال رائع و شكرا لكم.
هنالك نسبة كبيرة من الذين يعملون في مجالات اخرى غير تخصصهم .
ربما تكون الشهادة مدخل للحياة العملية و الأصل ان تزود المتعلم بأساليب و قدرات للتعامل في مجالات كثيرة.

أضف تعليقك