الكيمياء للأغبياء!

17 أبريل , 2017

السقوط أسهل من النجاح، والطريق إليه سهلٌ جدًّا، كيف لا ونحن لسنا بحاجة لفِعل أيِّ شيء كي نسقط، ولكن الكارثة كُل الكارثة حين نفعل الكثير، حقًا الكثير، كأن نسهر الليالي ونعتكف على الكُتب في النهار ثم ماذا؟ نسقط في واحدٍ من أبسط الامتحانات التي يُمكن خوضها في الجامعة، وليس أعجب من هذا إلا إذا كان الفضول ومُحاولة فهم الأمور بحق، هو السبب!

حين دخلت الهندسة البيئية، لم أكن أفقه شيئًا في الكيمياء، كما أن لغتي الألمانيّة كانت أضعف من أن تؤهلني للاستماع إلى مُحاضرة في الكيمياء، ولكنني كُنت “أفعل” وكُنت أزور المحاضرات بكُل نشاط واهتمام، وكُنت أفهم أحيانًا، ولكن أحد الأشياء التي لم أفهمها إلا بعد مرور أسابيع من بداية الجامعة، أنني كُنت أزور المحاضرة الرسميّة ومحاضرة الإعادة وأنا أتخيّل أنني أزور مُحاضرتين مُختلفتين، وللأسف حتى هذا لم يُسعفني، وقد اضطررت يومًا أن أستعير كتاب “الكيمياء للأغبياء” كي أفهم الحكايات التي كان يتحدث عنها الْمُحاضر مثل حكاية “الأوربيتال” والحسابات الذريَّة!

غاب عن ذهني يومها، أن الْمُحاضرة تُسمى “أسس الكيمياء” وأن حكايات الْمُحاضر ليست إلا لتقريب المواد من الأذهان، والنُكتة أنها أبعد ما تكون عن الامتحان، بل يكاد لا يكون لها أي علاقة به، وكُل مُحاولات فهمي كانت عبثيَّة نوعًا ما، وهو ما أكدَّته أسئلة الامتحان التي فوجئت بأن بالإمكان حلَّها حتى لمن لم يفقه الكثير في المحاضرة، ولكن للأسف كان الوقت متأخرًا حتى على هذا الاكتشاف، فلم يكن مُتسع من الوقت للتدرب على الحيل وطُرق الحل السهلة التي يعتمدها الطلاب الذين لا يؤمنون بالمحاضرات ولا المحاضرين وكُل ما يثير اهتمامهم هو: النجاح!

وصفة النجاح كانت سهلة جدًّا: “ضع عقلك جانبًا” وانظر إلى الأسئلة في الامتحانات القديمة وحاول أن تقوم بحلها مرَّة ومرتين وثلاثة وأربعة، وستجد أفكارها تتكرر، احفظ بضعة تفاعلات جاءت في الامتحانات السابقة ولا تسأل كيف ومتى ولماذا لأنك ستتعقد، احفظ بضعة رسومات لكيفيَّة رسم “تركيب لويس” التي تبدو معقدة ولكن قواعدها لا تطلب منك فهمًا عميقًا للكيمياء، ولمجرد تعلم أساسيات فك طلاسم “جدول مندليف” ستجد نفسك ترسمها دُون عناء كبير، وأهم شيء أن لا تُعقِّد الأمر، فكُتب الثانوية العامة يُمكن أن تكون نافعة جدًا في فهم كُل ما يستعصي عليك في مثل هذه المادة “الأساسية”، أما الموسوعات العلميَّة فهذه يُمكن أن تقرأها متى شئت للثقافة العامة، ولا علاقة لها بالامتحانات لا من قريب ولا من بعيد!

للأسف، إن هذا الامتحان صدمني أكثر من غيره، فقد كان أول امتحان، وقد أحببت مادَّة الكيمياء لأن “البروفيسور” أبدع فيها التجارب التي أجراها في القاعة، ومحاضرات الكيمياء كانت من أفضل ما رأيت،  وعلى الرغم من هذا إنه لمن المؤسف أن الامتحان كان من أغبى الامتحانات التي رأيتها، وهو من الامتحانات التي تجعل الطالب يُنهي أول فصل جامعي وهو واثق، أنه “ضيَّع” الكثير من الوقت في زيارة المحاضرات وكان بإمكانه النجاح دونها، وبالفعل فإن الكثير من الطلاب يعزفون عن زيارة المحاضرات؛ بالأخص لأن الزيارة اختيارية.

هذا يذكرني بمحاضرات البيولوجيا في الفصل الثالث، وهي رائعة جدًّا، إلا أن الامتحان فيها لم يكن صعبًا، وقد أُشيع بين الطلاب أن امتحان البيولوجيا لطلاب الهندسة من أسهل الامتحانات، وماذا كانت النتيجة؟ لم يعد أحد يحضر المحاضرات وما زلتُ أذكر كيف وقف المحاضر يومًا في قاعة ضخمة ينتظر حتى يكتمل عدد الطلاب إلى 15 طالبًا على الأقل كي يبدأ، بدلًا من 150، حتى إنه راح يسألنا إن كنا نعرف أحدًا على الطريق مثلًا، وبصراحة كان وضعه مثير للشفقة من جهة، ومن جهة أخرى .. فإن هذا ما جلبه هو على نفسه بأنه جعل امتحانه من أسهل الامتحانات!

لستُ مع تعجيز الامتحانات، والحقيقة أن الامتحانات السهلة في جامعتنا كان أمرًا غير متوقع عادةً، إلا أن الامتحان الذي يُعلِّم الطلاب أنه لا فائدة من زيارة المحاضرات هو امتحان “فاشل” بذاته، فالأصل كُل الأصل أن تختبر الامتحانات قدرة الطالب على الفهم، لا على الغباء والقُدرة على حل الامتحان دُون فهم حقيقي للمادة!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك