المحاضرات.. التي لا تستحق أن نزورها!

7 أبريل , 2016

في غُرفة شبه مُظلمة في جامعة جوتنغن  Göttingen الألمانية.. رُحت أبحث عن شيء من عبق تُراثنا العلمي، وقعت هناك على كُتب مُدهشة لا نسمع عنها كثيرًا في بلادنا، ككُتب ابن مسكويه وبالأخص كتابه ( تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ) الذي كان يرقد بسلام هناك، حينها قررت أن أترك كُل شيء لأجل ابن مسكويه، فذات يوم ذكرته في محاضرة في علم الاجتماع، وفوجئت بالمحاضر لا يعرفه بل وأن أحدهم جاء بعد المُحاضرة يسالني مُتهكمًا: ماذا يبيع ابن مسكويه؟

ابن مسكويه

 

ابن مسكويه، رجلٌ فريدٌ من نوعه، يكفيني منه أن حبسني يومًا ما في المكتبة مع كتابه ( تهذيب الأخلاق) لمُدة ساعتين، لم أقرأ فيهن إلا 10 صفحات فقط، ولم أفهم كُل ما قرأت، بل لعلي لم أفهم إلا القليل القليل، ولكن ليس هذا ما كان يُدهشني منه.

في عام 2008، كُنت في بداية مشواري الدراسي، وكفلسطيني درست في كُليّة “إسرائيلية”، كانت كُل دراستي باللغة العبرية، فلم يكن الدخول إلى هذا العالم سهلاً أبدًا، كانت لدي مصاعب كثيرة في استيعاب بعض المصطلحات الهندسيّة العبرية، مما جعلني اعتمد بشكل أساسي على الكُتب والاوراق، أكثر من اعتمادي على ما أفهمه في الكليّة.

في نفس العام، كُنت أقرأ كتاب ( عباقرة الحضارة العلمية في الإسلام ) وفي صفحة رقم 106 قرأت جُملة غيّرت الكثير من المفاهيم لدي فيما يخص الدراسة الذاتية حتى اليوم، فصاحبنا ابن مسكويه كما يقول الكاتب:

” لا يذكر التاريخ أنه كان يتلقى العلم على واحدٍ من الأستاذة، ولم يقتنع بالذهاب إلى المدرسة لتلقي دروسه، وإنما آثر أن يعلم نفسه بنفسه، كان حبه للحقيقة يدفعه دائمًا إلى الاجتهاد وتكبد مشقة التحصيل” ويذكر الكاتب في نفس السياق ان ابن مسكويه عمل أمينًا لمكتبات قصور أمراء بني بويه، ولهذا كان الكتاب ينبوع علمه وثقافته والجامعة التي تربى فيها”.

هذا الفيلسوف نفسه، لم يكتف من العلم بدراسة الفلسفة، بل تبحّر في علوم الكيمياء، حتى حظي بوظيفة مميزة، ليس من السهل الوصول إليها، فقد كان يجلس إلى جانب الخليفة عندما كان يتناول الطعام ليُخبر الخليفة “عضد الدولة” عن العناصر التي تتألف منها الأطعمة وعن منافعها ومضارها.

وباختصار، لا أريد أن أطيل في سيرة ابن مسكويه، ولكن من يتصفح كتابه “تهذيب الأخلاق” سيجد عبقرية وعلم غزير، ولن يسهل عليه أن يتخيّل أن هكذا رجل ألّم بعلم التاريخ ثم الفلسفة ثم الكيمياء لم يدخل مدرسةً قط فكانت الكُتب جامعته الأولى والأخيرة.

محاضرة

فحتى اليوم أذكر ابن مسكويه بالخير، كُلما دخلت محاضرة، ووجدت المحاضر يتحدث كما لو كان يتخلّص من “شيء ما” مكدسّ في ذهنه، لدرجة أنه يجعلك تشك بأنه يفهم ما يقول، بل كأن كُل وظيفته أن يُكدس لك ما تكدس في ذهنه عبر سنوات من “الاعتكاف” في سعيه نحو لقب “البروفيسور”، وأنا لا أتحدث هنا عن جامعات العالم العربي، بل أتحدث كذلك عن الجامعات الألمانية، حيث لا إجبار على الحضور، مما يجعلك أكثر إدراكًا وفهمًا لحياة ابن مسكويه العلمية، فبدلًا من تضييع وقتك في الركض بين مُحاضرات “غير نافعة”، يُمكنك أن تجلس مع نفسك والكتب، فتفهم أحسن بألف مرة، مما كُنت ستفهم في محاضرة “غبية”!

وللختام، لا شك أن هناك مُحاضرين مُبدعين .. ولكن لا شك أيضًا أن هناك مُحاضرين، لا يستحقون أن نضيّع أوقاتنا في محاضراتهم!

 

مصادر الصور:

  1. derwesten.de
  2. menoflostglory.wordpress.com


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك