بَرَكات السّقوط !

17 سبتمبر , 2016

image

من بركات الامتحانات الصّعبة أنّها تُحرجك حتّى القهر أحيانًا، كُلّ الفخر والخيلاء اللّذين كُنت تمشي بهما بين النّاس يتلاشيان فجأة وأنت تجلس مع نفسك، تكتشف كم أنت ضعيف، كم أنت هزيل أمام مُعادلة وأرقام لا تقوى على معرفة أصلها ولا فصلها، تُحاول بشتّى الطّرق فتفشل وتفشل… حتّى يُخيََّل إليك كما لو أنّك بلغت حدود المعرفة البشريّة، ولكنّك تعلم في قلبك أنّك لم تصل إلّا إلى حُدودك…!

الوصول إلى الحدّ ليس عارًا، بل على العكس تمامًا، فهو يعني أنّه لم يبق بينك وبين اتّساع حُدود علمك إلا خُطوة واحدة فقط، كثرة التّفكير والاستغراق في رسم حُدود علمك بحدّ ذاتها هي الإنجاز، بل إنّ المتعة كُلّ المتعة هي اللّحظات الّتي تبدأ فيها بالعبور من مرحلة الجهل إلى مرحلة العلم، ولك أن تتخيّلها نهرًا، وأنت تسبح وتسبح بكلّ متعة للوصول إلى برّ “العلم”، وحالة العبور هذه تُسمََّى “التّدفق”، وهي من أسرار السّعادة البشريّة كما يقول أهل علم النّفس.

المُشكلة أنّ الفهم شيء والنّجاح شيء آخر تمامًا، أحيانًا تتخيّل وكأنّ بعض النّاس لا يحتاجون للفهم مع أنّهم من أهل “التّفوّق”، فالكثير من الامتحانات لا تستدعي الفهم ولكنّها اختبار لقدرة الطّالب على الحفظ و”البصم”، هكذا امتحانات تزلزلك وتجعلك كافرًا بالتّفوّق أحيانًا، من كُفرك بأن تصبح عبدًا من عبيد نظام فاشل، لا يؤمن بالعلم بقدر إيمانه بالشّهادات الّتي تزيّنها أرقام لا تكشف ـ أحيانًاـ إلّا القُدرة على تجاوز كُلّ الأسئلة المُلحّة الّتي يطرحها العقل، وكأنّه لا وزن لها، فتضطرّ أن تدرس ما لا ترى فيه فائدة، وتترك ما لاذ به عقلك!

في بعض الأوقات تُصرّ أن لا تكون “ماكينة” حقًّا، لأنّك تريد أن تفهم العلم على مهل لتكون الضّريبة: سقوطك.

وفي أوقات أخرى ننزعج جدًّا، ولكنّنا لو فكّرنا في الامتحانات الّتي سقطنا فيها، لوجدنا أنفسنا بعد الإعادة أكثر إلمامًا وخبرة وفهمًا، ولكن مُشكلتنا أنّنا كثيرًا ما لا نُبالي بالفهم، لأنّ أهدافنا لم تعد طلب العلم ـ غالبًا ـ بل طلب الشّهادات، لا ألومك ولا ألوم نفسي، ولكنّني ألومنا جميعًا، كُلّنا شركاء في الجريمة لأنّنا نقبل على أنفسنا أن ندوس على كرامة العلم من أجل الشّهادات، ولو نطقت شهادات أكثر لفضحت أكثرنا.

ومن عجائب العلم، أنّ بعضنا ينجح بالصدفة أحيانًا، ويفرح فرحًا عظيمًا وهو يعترف أنّه لا يفقه شيئًا فيما نجح فيه، ولكنّ بعضنا لا ينجح، ولربّما يسقط المرّة تلو الأخرى وكأنّ الامتحانات تريد أن تعلّمه درسًا، بل دروسًا في الأدب واحترام العلم، كأنّها اختارته ليكون عبرة، فما إن يسقط مرّة أو لربّما مرّتين، حتّى يُدرك أنّ “الفهم هو الحلّ”، بل إنّه من الممتع ـ أحيانًاـ أن ترى طالبًا سقط أكثر من مرّة ليصبح خبيرًا فيما سقط فيه، ولربّما يُصبح “أستاذًا” في تلك المادّة، لأنه لم يُعط مادّة حقًّا كما أعطى تلك المادّة الّتي أحرجته وأدّبته!

أجمل ما في هذه اللّحظات، هي الجلوس في امتحان الإعادة، وأنت تشعر بأنّك مُلمّ بالمادّة كما لم تفعل من قبل، فتبدأ بما ظننته يومًا مُستحيلًا، حينها تنسى تلك اللّحظات الّتي كرهت العلم لأجلها وتنسى الأيّام الّتي استيقظت فيها من نومك وأنت تحاول حلّ المعادلة وهي تستعصي عليك، حينها ستنسى كُلّ شيء حتّى الوقت… ولن تستيقظ من متعتك ربّما إلّا مع انتهاء الامتحان، وكأنّك كُنت في عالم آخر…!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك