تأمّلات في الألمان والوقت

14 أغسطس , 2016

حتّى في قريتي الصّغيرة تجد البعض يُلقّبون من يُحافظ على المواعيد بأنّه “ألمانيّ”، فمعلوم أنّ الألمان لديهم احترام للوقت، وقد نتخيّل أن الأمر مُنحصر في أمور الدّراسة أو شؤون العمل، ولكنّ الأمر أعمق بكثير، ويدخل في تفاصيل كثيرة في الحياة الشّخصيّة وطبيعة هذا الشّعب، لدرجة أنّك لو عشت مع “الألمان” ستجد نفسك أحيانًا وكأنّك في عالم آخر، له قوانينه الخاصّة والّتي تجعلك مُضطرًًّا لزيارة دورة في إدارة الوقت، لا كي تُديّر وقتك فقط، بل كي تفهم حكاية هذا الشّعب مع الوقت!

تخيّل نفسك فقط، ورجلاك تحطّ في ألمانيا لأول مرّة للدّراسة، ثمّ ما إن تصل إلى المدينة الّتي تريدها، حتّى تكتشف حماقتك، بأنّك لم تبحث عن سكن من قبل بوقت، فتُخبر من حولك بأنّ لديك شيئًا من الوقت، فهناك أسبوع أو اثنان وربّما ثلاثة لبدء دراستك، فيُخبرونك أنّه كان يتوجّب عليك بدء البحث عن سكن قبل عام تقريبًا أو حتّى ستة (6) أشهر، وأضعف الإيمان ثلاثة (3) أشهر!

قد تبقى عند صديق أو قريب، وقد يُحالفك الحظّ وتجد سكنًا في بقعة ما بعيدة عن كُلّ من تعرف، ثمّ تجد نفسك وحيدًا بين أربعة جُدران، وتقرّر فجأة أن تقوم بزيارة إلى صديق كي تُسعده بما نُسميه «زيارة مُفاجئة»، وتستمع بقضاء شيء من الوقت معه بعيدًا عن أجواء الكآبة والغُربة القاتلة، الّتي تشعر بها أنت وغيرك من المُغتربين!

تمشي وتمشي، حتّى تصل إلى صاحبك، ترنّ الجرس فيردّ عليك من “المايك” بالألمانيّة، من أنت؟ ـ فتخُبره باسمك فيفتح الباب بسرعة، تمشي إليه وأنت تتخيّل أنّه سيقفز فرحًا لزيارتك… فما إن تصل حتّى تكتشف الكارثة الّتي ارتكبتها، عندما يسألك صاحبك: ما الّذي جاء بك الآن؟ ـ هل حصل معك مكروه؟ تُحاول أن تبتسم وتُخبره أنّها مُجرّد زيارة، فيصدمك قائلًا: كان الأحرى بك أن تُخبرني… ـ هل تعلم أنّ هكذا تصرّف غير مقبول بتاتًا، ولو كان شخص غيرك لما استقبلته ولما فتحت له الباب.

طبعًا، هكذا “شرشحة” لا يُمكن أن نفهمها كعرب، وهي مُنافية لكل العادات والتّقاليد العربيّة، ولعلّها لو حصلت عند البدو لكانت الكارثة أعظم، ولكن في الواقع، هي في ألمانيا مقبولة جدًا، وهي تُعتبر مدخلًا أساسيًّا لفهم إدارة الوقت الألمانيّة، حيث يُقال أنّ ألمانيا هي البلد الوحيد في العالم الّذي تتمّ فيه المواعيد الشّخصيّة وفق موعد مُحدّد مسبقًا فقط، والسّبب بسيط طبعًا، حيث أن الفرد هُنا لا يعتاد ولا يتوقّع هكذا زيارات، وبالتّالي فإنّه يُحاول أن يرسم لنفسه برنامجًا يوميًّا مُسبقًا، لأنّه لو لم يفعل ذلك فإنّ الحياة ستبدو مملّة جدًّا، ولكن وجود تصوّر مُسبق لما سيفعله بعد العمل، أو الهوايات الّتي سيُمارسها، أو الأعمال الإضافيّة الّتي سيقوم بها في المنزل، أو كتاب سيقرأه، أو فيلم سيُشاهده، وهي برأيي شكل من أشكال تقديس الفرد لرغباته على حساب رغبات المجموع.

في بلادنا مثلًا، لا يُمكنك ألّا تتوقّع زيارة مُفاجئة من قريب، ولا يُمكنك أن لا تتوقّع اتّصالًا مُفاجئًا وضروريًّا من صديق يطلب مُساعدة ضروريّة، حتّى تكاد تُشعر أنّنا لا نُحبّ إلّا المُفاجآت، وكثيرًا ما نستخدم عبارات مثل «خليها ع التّساهيل» أو «إن شاء الله»، بدلًا من الجزم في تحديد موعد ما، ثمّ إنّنا كثيرًا ما نتعلّل بأنّ «الجميع سيتأخّر»، فلماذا الحضور في الوقت؟ ـ وبالتّالي تجد في كثير من الأحيان، أنّ الكثير من خططنا وبرامجنا لا يُمكن أن تسير إلّا بعشوائيّة، وكأن كُلّ محاولة لبرمجة الوقت هي مُحاولة عبثيّة!.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك