تأمّلات في الألمان والوقت!

23 يوليو , 2016

قبل مُنتصف اللّيل برُبع ساعة، يُنادي مُنادٍ في مكتبة الجامعة أن انتبهوا، لأنّ المكتبة ستُغلَق بعد قليل، تكتشف للمرّة العاشرة أو ربّما الألف، أنّك لم تدرس شيئًا بعد ولم تتقدّم شيئًا، ترفع رأسك من بين الكُتب متأمّلاً وجوه من حولك، تبحث عن الألمان فلا تجدهم إلا قلّة قليلة… تشعر لوهلة أنّك في الصّين ولست في ألمانيا فالمكتبة جُلّها من الصّينيين وقليل من الأتراك والعرب.
مع هكذا تأمّلات، عشت فترات طويلة بالأخصّ مع بداية دراستي في ألمانيا، كُنت دائمًا أسأل نفسي: لماذا لا يبقى الألمان في المكتبة مثلنا حتّى آخر اللّيل؟

ـ هل هم أذكى مثلاً ؟

ـ هل نحن حمقى؟

ـ هل لأنّ اللّغة صعبة علينا؟

ـ ثمّ حتّى لو كان كلّ ذلك صحيحًا، ألا يُفترَض أن يبقوا في فترة الامتحانات؟
لم تكن الإجابة سهلة، بالأخصّ لأنّنا كعرب دائمًا ما ننظر إلى الألمان وكأنّهم شيء واحد، وكان لا بدّ من البحث بين التّفاصيل، بل والنّكتة اّنّ الإجابة تكمن فينا أكثر مما تكمن فيهم، فتتأمّل أحوال الأجانب في المكتبة، فتجدهم يعشقون التّجمّعات و«الخراريف»، فعلى بوابة المكتبة يكاد يستحيل أن تدخل وتخرج دون أن تجد منهم «شلّة» مُجتمِعة تفضفض في أمور دراستها والحياة، هذا غير جلسات الدّخان والقهوة، وكأنّ الجلسات لا تحلو إلّا على بوابة المكتبة!
طبعًا هُناك عرب وأتراك لا ينطبق عليهم هكذا وصف، ولكنّ هذا ينطبق على نسبة كبيرة منّا، كما ينطبق على نسبة من الألمان، أمّا الأغلبية ومن روّاد المكتبات بالذّات، فتجدهم يأتون وكأنّ لديهم “أجندة” خاصّة، يُريدون الإنتهاء منها في وقت محدّد للمغادرة، وقضاء وقت ممتع في المنزل أو في أيّ مكان آخر.
حتّى أنا، كنت أعاني من هذه الآفة، وأظنّ أنّه عليّ أن أفتخر لأنّني أخصّص كلّ وقتي للدّراسة والعلم، ولكنّني اكتشفت أنّ هذا مُجرّد وهم باطل، وبعيدًا عن النّظريات، يكفي أن تجلس في نهاية اليوم وتتأمّل ما أنجزت، لتكتشف انّك أضعت الوقت الكثير فيما لم يكن مُهمًّا فعله، كما ستكتشف أنّ استراحاتك أكثر بكثير ممّا تخيّلت، وبأنّك قضيت على «الفيسبوك» وقتًا أكثر بكثير ممّا توقّعت، بيد أنّك لم تُنجز الكثير من المهام الضّروريّة جدًّا.

«قانون باركنسون»

هذا الكلام الّذي قد يبدو سطحيًّا بالنّسبة للبعض، هو نفسه ما يقوله «قانون باركنسون»، بحيث أنّ « العمل يتوسّع فيه لكي يملأ الوقت المتاح لإنجازه، وهذا يدعو إلى عدم تخصيص وقت أطول لتنفيذ عمل ما »، وبحسب شرح القانون في موقع “أبعاد قيادية” فإنّه « إذا كان هناك نشاط يستغرق في العادة ساعتين(2 ) ـ مثلاً ـ ويُخصَّص له أربع (4 ) ساعات، فإنّه يستغرق فعليًّا أربع(4) ساعات».
وبالضّبط، هذا ما كان يحصل معي، مع أنّني كنت في بعض الأحيان أذهب إلى المكتبة السّاعة الثامنة (8) صباحًا، وأعود إلى المنزل الحادية عشرة (23) ليلاً، وأحيانًا مع منتصف الليل، ولكن في الواقع لم أكن أنجز كثيرًا، وربّما كان بإمكاني أن أدرس كلّ ما كُنت أدرسه ـ حينها ـ خلال يوم كامل، في ساعتين(2) أو ثلاثا (3 ) بتركيز فقط، ثمّ أنطلق بعدها لكل ما أريد!
مع الوقت تعلّمت أنّه قبل أن تدرس، عليك أن تتعلّم كيف تدرس، فقضاء ثمان (8) ساعات في المكتبة، لا يعني شيئًا أبدًا، ولكن المهمّ والأهمّ هو أن تُحدّد ماذا تريد أن تنجز كلّ يوم، وبشكل محدّد جدًّا، ومثال ذتك: ( يوم الأربعاء: مُراجعة محاضرة تكرير النّفط وحلّ السّؤال رقم 10 و 11 )، ويُمكن أن تقدّر لهذا أنّه سيستغرق خمس (5 ) ساعات تقريبًا، فلو ذهبت إلى المكتبة وأنجزت هذا في أربع (4 ) ساعات، فلن تكون محتاجًا إلى منتصف اللّيل، بل يُمكنك العودة إلى المنزل، ومشاهدة فلم وثائقيّ مُحترَم، ثمّ زيارة صديق، والتّوجه بعدها لممارسة الرّياضة الّتي تُحبّ … وهذا أفضل لك بكثير من جلسات الفضفضة عند باب المكتبة… بمليون مرّة !



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك