تجربتي: دراسة الطب في ألمانيا – عُصارة خواطر(1)

30 يوليو , 2016

ترددت كثيرًا في اختيار عنوان المقالة، حيث أنني قد أغمط ستّةَ أعوام بتفاصيلها وأروقتها وأزقتها وهنيهاتها حقّا كبيرًا عندما ألم شعثَ كل هذه الامتدادات من الذّاكرة بإيجاز كلمة “تجربة”، الأمر الذي ربما سيستفز بشدّةٍ مكامنَ كلِّ يومٍ منها، ولربما ترددت كذلك في ضبط ِمبنى المقالة حيث أنَّ عليها تغطيةَ مساحة قطبية بين الموضوعية في الحديث عن منظومة تعليم الطب الأكاديمية في ألمانيا وبين حيثيات نفسيّة وشعوريّة لي كطالبة أجنبية على خريطة هذه المنظومة الغرائبية، فالحديث ليس عن مُجرَّدِ بدايةِ عَمليةِ تَعَلّمٍ نظريةٍ لمواد التشريح والأحياء وعلم الأمراض والأدوية فحسب، بقدر ما هو وصفٌ لبداية حياة جديدة مع ثقافة أخرى وشعب مختلف ونمط حياة مغاير ومحاولة التماهي الروحاني والفكري والاجتماعي مع هذا الكون الجديد..

فهذه بعض قراءات موجزة من زوايا مختلفة لتجربتي الخاصَّة لا أقرّ بشموليتها ولا بلزوم توافق رؤاها مع رؤى الجميع، فتجربة كل واحد منا هي نجمٌ وحيدٌ غائرٌ في فضاءٍ يتسع لأضواء ملايين الكواكب والنجوم الفريدة والرائعة.

ألا وإنه لا بد من الإنصاف والاستحضار الموضوعيِّ للواقع بدايةً، فإننا نسمع الكثير من الأصوات التي تشيد وتبالغ في مدح الحقل الأكاديمي الألماني على أنه قطعةٌ من الجنّة مهيّئةٌ بِوَثير سلاستها المؤسساتية والنظامية التعليمية للطلاب للدراسة، وهذه الجهات غالبًا ما تكون جهات ربحية كسبية تسعى لنهب جيوب الطلاب بلا مصداقية في طرح الواقع وملائمته للطالب وتقومُ بالاعتدادِ برَغَباته من جهةٍ وجهله من جهةٍ أخرى كمسوّغٍ لعرض برامجَ أكاديمية أيًا كانت حتى لو لم تكن تتلائم مع قدراته وبأسعار تصل أحيانًا إلى حد الخيالية، وعلى النقيض من ذلك نسمعُ أصداء أخرى مُدويّة بالتثبيط والإحباط وغالبًا ما تُنفث هذه من أفواهٍ مكلومةٍ بحدةِ فشل تعلُّم اللغة أو الانخراط في المجتمع والنظام الألماني، فتحاول بذلك إسقاطَ فشل تجربتها على النظام وتعميم هذا الفشل على الطلاب الاخرين.

.

وكأيِّ بداية صعبة كنت على عتبات هذا الطريق الطويل أخطو الخطى الوئيدة في تعلّم اللغة الألمانية في الثامنة عشرة من عمري ومعي من زاد التجربة والخبرة الحياتية من السنين المنصرمة شبهُ فراغ وبعض هشاشة وبقايا طفولة جعلت من صعوبة اللغةِ ضِعفًا من العَنَتِ والمشقَّة، لست بصدد الحديث عن مسار تعلم اللغة ولا عن صعوبة إتقانها وتطبيق قواعدها ففي مقال قدمه مارتن توين: الألمانية المرعبة – The Awful German Language الوصف الوافي لمدى صعوبة اللغة وتركيبتها المعقدة بالنسبة للناطقين بالإنجليزية، إلا أنني أرى أنّه من الإجحاف اعتبار الألمانية أبرد لغات أوروبا حِسًّا وأقلها نبضًا بالحياة كما يُشار أيضًا إلى المتحدثين بها، فألمانيا إضافة لكونها أرض الأدباء والشعراء كما يفخر أهلها بالقول دائمًا فلغتها الألمانية قد تطورت بمسار علميٍّ واهتم أهلها بتسخيرها للخدمة العلمية أكثر منها في اللغويات، على عكس الإنجليزية التي طوّعها أهلها لحتلنة عالم السرعةِ فقُسمت إلى الإنجليزية ما قبل وما بعد شكسبير لتصل متكئةً على مرونتها وسعة استيعابها اللغوي إلى العالم بأسره، ولعل هذا الجمود الألماني اللغوي هو أول ما يلاحظ فيُحكم على اللغة بالسّلبية من أول كلمة تُدرَّس في مدارس اللغة “عذرًا” المكونة من أربعة عشر حرفًا “Entschuldigun”، قبل اكتشاف الجمال المُختلف والدور العلمي المُبرّز للغة الألمانية خلال المسيرة الأكاديمية.

وبمحاولة لدفع هواجس التواصل اللغوية هذه وقبل الخوض في غمار الحياة الجامعيّة كان لا بد بعد إتمام امتحانات اللغة المرتكزة على قواعد أولية أن أعيشها وأنغمس في أبعادها، فاللغة ليست مجرد نحويات وحروف مصفوفة وإنما هي نكتةٌ ومِزاج وفنٌّ، فكانت بداية مشواري الأكاديمي مكللة بتطبيق عمليّ في أحد أعرقِ صروحِ أوروبا عمرانًا وعلمًا – مستشفى وجامعة مدينة هايدلبرغ، ومن خلال اندماجي في الحياة العملية هناك مع المرضى والفريق الطّبي أدركت فعلًا أهمية اللغة كوسيلة للتواصل البشري، الأمر الذي يغيب عن الواحد منا في خضم حياتنا اليومية بين أبناء لغتنا وجلدتنا وخاصّة كطبيب، وهي من أكثر المهن على وجه المعمورة تطلبًا للتواصل حيث أن ثلاثةَ أرباع عمليةِ تشخيص العلّةِ تكمنُ في براعة الاستحواذ على أحاسيس وشكوى المريض من خلال نجاعة الأداء في أخذ السيرة المرضية.

لقد وجدت خلال العمل قطاعًا صحّيًّا متطورًا وأنظمة علاجيّة على مستوى رفيع، فقد صُنّف القطاع الصحي في ألمانيا بالمقارنة مع نظائرها من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2006 بنسبة انفاق 10.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي كمرتبةٍ رابعة، فهو بذلك أحد أثرى الأنظمة الصحية عالميًّا، الحقيقة التي تستقطب المرضى من شتى أنحاء العالم ومن “الطبقة البرجوازية” الثرية على وجه الخصوص، وبما أن الشعب الألماني شعب هَرِمٌ عجوز فلا شك أن محور طب الأمراض المزمنة والرعاية اللطيفة تلعب دورًا هامًا وتَشغَل حيّزًا كبيرًا في المنظومة الصحية، فكان هذا الطيف البشري والمزيج الحضاري مُعلمًا أوليًا لي كطبيبة مستقبلية مجبرة على تكوين حالة نفسية متعددة الوجوه والأبعاد وقادرة على استيعاب هؤلاء المرضى بشتى ثقافاتهم وخلفياتهم المعرفية وخلطاتهم الروحية، بَيدَ أني اكتشفت بعد ذلك أني مهما بلغتُ من احترافيةٍ في التعامل لن أصلَ مرحلة أستطيع فيها استيعابَ أبسط توجه للمريض أيًا كانت لغته عندما تكون لغة جميع المرضى متشابهة ومعارفهم متوازية، عندما تدور مقلهم الحائرة تبحث في تعابير وجهك عن أمل في علاجِ مرضِ عضالٍ وتُسائلك العونَ بنظرةٍ ملؤها فراغٌ لا إجابةَ عليه.

تركت هايدلبرغ وجمالها لتبدأ معركة المعاملات الورقية والبيروقراطية الألمانية المستشرفة بأبها حُللها في نظام التسجيل للجامعات، فبالرغم من أساليب الإدارة الديناميكية وحداثيتها وكفاءتها إلا أن دقة القانون الألماني يحصر هذه المعاملات بدائرة إرهاق في تجميع الأوراق وتكديسها بحيث تنتهي من معاملاتك وبيتك وأروقته وجدرانه تمتلئ بأوراق المعاملات ونسخها!.. إلا أنني ولو بعد مُعاناة مُضنية معها وصلت إلى مقاعد كليّة الطب في جامعة ميونخ البافاريّة وقد كانت اختياري المفضل منذ البداية على باقي الجامعات في الولايات المختلفة لعدة أسباب ترأسها العراقة والتصنيف العالمي للجامعة وجمال الولاية الأخّاذ ومستوى وعي أهلها المنعكس على معاملتهم المتزنة للأجانب.

يتبع



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 3 تعليقات

[…] تم نشر هذه التدوينة في موقع زدني […]

[…] تم نشر هذه التدوينة في موقع زدني […]

أضف تعليقك