سحر اللغة الألمانية!

16 أبريل , 2016

عندما ركبت الطائرة أول مرّة إلى ألمانيا ، كُنت مُغترًا بشيء من الكلمات التي حفظتها حتى دخلت الطائرة، وما إن بدأت “الألمانيّة” تصدح في أنحاء الطائرة حتى بدأ الاحباط يتسلل إلي، كدت أجزم أنه من المُستحيل لإنسان أن يتعلّم هكذا لغة في غضون 8 أشهر فقط، إنها تبدو كالصينية أو السنسكريتية! الحياة بأكملها لا تكفي لتعلمها، وقد كتبت كثيرًا عن “آهاتي مع اللغة الألمانية” ولكنني لم أكتب الكثير عن سحر تعلّمها، وهذا يستحق الكثير من الكلام!

 

الحقيقة أن هذا السحر جعلني اُحب تعلّم اللغات بشكل لم أتخيّله من قبل، فقد دخلت دورة لتعلم أساسيات اللغة التركية في جامعتي في ألمانيا، كما أنني “أتسلّى” أحيانًا مع تطبيق “دويلنغو” بتعلم اللغة الهولندية، ولا يُمكنني أن أخفي رغبتي العارمة في تعلّم الأسبانية، بالأخص بعد رحلتي إلى الأندلس وتعلّمي الكثير من الكلمات الأسبانية في غضون 10 أيام فقط.

 

هذا الشغف بتعلّم اللغات، لا يُمكن أن يكون من فراغ، ولعل لا شيء يُمكن أن يشرح ضرورة تعلّم اللغات كقول أحدهم: “حدود لغتي هي حدود عالمي”، فاللغة ليست مُجرد ترف، بل وسيلة لخوض عوالم جديدة، مثيرة، فمن يدخل مكتبة ألمانية كمكتابات “تاليا” أو “مايرشي” ويبدأ مُطالعة العناوين هناك، سيفهم حقًا ما أعنيه.

 

مثلاً، لو كُنت مُهتمًا بالبيئة والتقنيات الصديقة للبيئة، فإنك ستجد عشرات الكُتب المترجمة والتي تتحدث عن البيئة، ولكنك لن تجد كتابًا مثل كتاب “الهوس البيئي” ينتقد السياسات البيئية الألمانية ويكشف خباياها، وبالتالي مُجرد اطلاعك على مثل هذا الكتاب كنز، وهذا مُجرد مثال من مجال تخصصي، وكمثال آخر مثير : كتاب ” التراجيديا الجنسية في ألمانيا “ ولا أتخيّل أنه مترجم، مع أنه يتعرض لمُشكلة خطيرة جدًا وهي مدى انغماس “الأطفال” الألمان في مواضيع جنسية، بسبب الانفتاح الشديد وتعرضهم لمحتويات جنسية كثيرة في حياتهم اليومية، مثل هذا الكتاب مثلاً سيجعلك تفهم المُجتمعات الأوروبية ومشكلاتها أكثر، بدلًا من محاولة تقليدها في كل شيء!

 

الحقيقة أن تعلّم لغة كالألمانية، يفتح أبوابًا معرفية كثيرة، ولا أقصد الكتب والجامعات فقط، فهناك الصُحف والأفلام والمدونات الصوتية ومقاطع اليوتيوب والمواقع البديعة، وهنا لا بُد من وقفة فلو كُنت تُحب التوفير أو مهتمًا – مُهتمة –بالإدارة المنزلية، فإن اللغة الألمانية تتيح لك محتوى مُبهرًا. حيث أن الألمان معروفون كشعب يُحب الاقتصاد والتوفير، إحدى المواقع البديعة التي اكتشفتها هو موقع “طبخات جدتي – طبخات بواحد يورو“، في هذا الموقع نجد مجموعة من المدونات في مجال الإدارة المنزلية والطبخ، من وحي كشكول وجده المدون في دُرج جدّته بعد وفاتها، بالأخص أنها كانت تطبخ لجميع العائلة أطباقًا لذيذة ورخيصة. وهذا ليس إلا غيضًا من فيض.

 

الصحفي الألماني “جونتر فالراف“، هو كذلك من المُبدعين الألمان الذين قاموا بأعمال إبداعية لا يُمكن ترجمتها كُلها، ولا فهمها حقًا إلا بالألمانية، حيث إن “جونتر” صحفي تحقيقات وكان يتخفى دائمًا تحت قناع ما، ويقوم بتحقيقاته بمساعدة الكاميرات الخفية لمدة أشهر طويلة، ثم يكشف كُل ما وصل إليه من حقائق من خلال فيلم أو كتاب، شخصيًا شاهدت فيلمه “أسود على أبيض” الذي يكشف فيه العنصرية تجاه السود في ألمانيا، وهذا ليس إلا عملًا بسيطًا من عماله، فقد قام في عام 1977 بأشهر أعماله عندما قام بالعمل تحت مسمى “كاذب” في إحدى أشهر الصحف الصفراء في ألمانيا، ليفضحها ويفضح سياستها التحريرية أمام المجتمع الألماني!

لن أطيل أكثر، ولكن الحقيقة أن تعلم لغة جديدة، لا يعني مُجرد تعلم حروف وكلمات وقواعد جديدة، أبدًا، بل تعلّم لغة جديدة يعني أن تفتح عيونك أكثر، أن ترى العالم بشكل أعمق. ولا أخفي عليكم، تعلم لغة أخرى يعني أحيانًا انكشاف فرص عمل جديدة وبالتالي جني المزيد من المال!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك