سنة أولى .. ضائع!

6 نوفمبر , 2016

عن صعوبة البدايات، أحدّث ولا حرج، فما أكثر تلك اللحظات التي كُنت أجدني هائمًا ضائعًا في أروقة الجامعة وحتى في شوارع مدينة “آخن” الألمانية حين قِدمتُ إليها طالبًا للعلم، وما أكثر لحظات الضياع التي لا نُحب الاعتراف بها دائمًا، ولكنني سأعترف هذه المرّة. فما أكثر تلك الشوارع والأسماء التي أمر بها، فأضحك من نفسي ومن ضياعها في أول عهدي بالجامعة!
كغيري، كُنت أفكّر في النهاية وأنا ما زلتُ لم أبدأ بعد، وأن الطريق مفروشة بالورود لا الأشواك، كُنت حالمًا جدًا، ولكنني لم أصل – ولله الحمد- إلى حد يجعلني أنشئ بريدًا إليكترونيًا جديدًا مع مقدمة Ing. وأنا لم أجتز أول مُحاضرة! ولكنني لست أحسن حالًا! فما أسوأ من ينسى مُتعة الطريق ولا يذكر إلا لحظة الإنجاز، وكأن الطريق وكل ما فيه من مغامراتٍ لا معنى لها!

image

والضياع جميلٌ لو نتأمل، ويكفيني منه أنني أبتسم كُلما مررت اليوم من أول شارع ضعتُ فيه، هذا غير أنه أستاذ عظيم، فهو يوصلنا إلى مناطق لم نحلم بالوصول إليها يومًا ، كتلك الحديقة البديعة التي وصلتها في أول ضياع لي في المدينة، كان ذلك قبل بدء الجامعة بأسبوع ولم أكن أعرف من المدينة غير الطريق إلى الجامعة والعودة، وذات يوم أوصلتُ صديقًا لمحطة القطار وقررت العودة مشيًا، فمشت ومشيت حتى بدى لي وكأن الطريق طال أكثر مما ينبغي، فسألت إحداهن: كيف يُمكنني الوصول للجامعة؟ الأهم من إجابتها كان دهشتها وهو ما لم أنسه حتى اليوم، فقد كانت كالدهشة من سائلٍ يسأل عن الطريق إلى روما وهو متوجه إلى الصين!
لم يكن ذلك آخر ضياع طبعًا، ولكنه الأجمل، أما أسوأ ضياع فهو الضياع في المحاضرات نفسها! وهو ضياع بعيدٌ كُل البعد عن الضياع الجُغرافي ولكنه الضياع النفسي، حين تجلس في مُحاضرة يقف أمامك “بروفيسور” يشرح ويشرح ويشرح وأنت لا تجيد إلا الحملقة في وجهه وتأمل الطلاب من حولك، أما تلك النظريّات فكأنها ليست من اختصاصك وليست لك أصلًا، والنكتة حين تبدأ بتحفيز نفسك بأنك فهمت شيئًا، كالصور المُضحكة التي يستعين بها المحاضرون على إيقاظ الطلبة، ولعلك تفهم كلمة هنا أو مصطلحًا هناك، ولكنك في الواقع ضائع!
ولك أن تتخيل فقط، كيف يُمكن لهكذا ضياع أن يكون وأنت تدرس بلغة ليس لغتك الأم، بل مُجرد لغة درستها 8 أشهر فقط، ثم تجلس للاستماع في محاضرة في الكيمياء من مُحاضرٍ ألماني، والكارثة كُل الكارثة إن كان آخر ما تعلمته في الكيمياء هو مادة الصف التاسع فقط، عمومًا لن تستغرب إن وجدت نفسك تتمنى لو تصرخ كما صرخ أرخميدس: “يوريكا يوريكا” أي “وجدتها وجدتها” حين اكتشف قوانينه الفيزيائية العظيمة، ولكنك لن تكون مثله للأسف، فقد تكتشف مثلي أنك تزور نفس المحاضرة مرتين أسبوعيًا وأنت تتخيل أنك تزور محاضرتين، ولم يخطر ببالك يومًا أنك تزور المحاضرة وإعادتها!
في نهاية السنة الأولى، يُمكنك أن تتأمل حولك لترى أنك لم تكن وحدك ضائعًا، ستسمع المزيد من حكايات الضياع، وهي بالأحرى حكايات “بحث عن الذات” فما أكثر من يكتشفون أنهم كانوا في الجامعة الخطأ، أو حتى في التخصص الخطأ، ولعلك نفسك منهم، وهذا ليس عارًا، وإنما العار كُل العار أن تمشي في طريقٍ لا تريده أصلًا، وبدلًا من أن “تضيّع” عامًا من حياتك .. تحكم على حياتك كلها بالضياع!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك