شارلوتي : زميلتي الألمانية (1)!

9 أغسطس , 2015

عامان تقريبًا وأنا أراها في الجامعة لا تغيب ولا تجلس إلا في المقاعد الاولى، حيث أفضّل الجلوس. الفرق بيني وبينها أنني كُنت أنشغل بتسجيل الملاحظات عن الأساتذة الألمان بكُل ذرة إنتباه، فالتفت لأراها تجلس مُستمتعة وبيدها كُرة من الصوف تغزل شيئاً جميلاً، بقيت حوالي عام ونصف لا أفهم حكاياتها مع الدراسة ومع المقاعد الأولى وغزل الصوف، فلم يكن بيني وبينها سوى الـ Hello، واليوم بعد أن نجحتْ في معظم امتحانات اللقب الأول بعامين ونصف فقط، نعم عامين ونصف! وحصلتْ على منحة للماجستير في أمريكا، بالإضافة إلى أنها كانت تعمل في وظيفتين في الجامعة وتتطوع في أكثر من مؤسسة، قررت أن أكتب عنها!

من كلية الآداب إلى كلية الهندسة

عندما بدأنا دراسة الهندسة البيئية في جامعة آخن، كان معظم زمُلائنا ممن تخرجوا حديثًا من الثانوية ولم تكن لديهم خبرة واسعة مثل شارلوتي، فعندما قررت أن تدرس الهندسة، فعلت ذلك عن حُبٍ ورغبة بعد أن تخرّجت من قسم العلوم الاجتماعية ودراسات أمريكا اللاتينية في جامعة كولن الألمانية بمشروع مميز حول دراسة آثر الاحتباس الحراري على مصادر المياه في الهندوراس في أمريكا اللاتينية، فعاشت هناك في الهندوراس 3 أشهر، ثم عادت وقررت الالتحاق بكلية الهندسة في جامعة آخن، وهي من جامعات النُخبة في المانيا، أملاً أن تُساهم في خدمة الناس بالهندسة ومع أن الدراسة في جامعة آخن ليست سهلة، إلا أنها استطاعت أن تنتهي من معظم امتحانات البكالوريوس في عامين ونصف فقط، كان هذا ثاني بكالوريوس في حياتها. ولكن بصراحة، ليس هذا سُر تميّزها، مع أن ما فعلته صعب جدًا لكن يظل في كُل جامعة طلاب “مجانين” يحبسون أنفسهم في المكتبة، فلا ينامون الليل ولا يأكلون كما يجب بل وكأنهم يتوقفون عن “الحياة” كي ينتهوا من الدراسة بأسرع وقت ممكن، إلا أن شارلوتي لم تكن كذلك!

من كُرة الصوف إلى ريف بوليفيا!

كلمة السرّ هي كُرة الصوف، التي كُنت أراها مع شارلوتي في المحاضرات ولم أفهم قصتها إلا بعد عامين تقريبًا، فقد كان غزل الصوف من هواياتها الاحترافية التي قررت أن تستغلها للانخراط في خدمة المجتمع حيث كانت تذهب إلى بيت للمسنين وتقوم بتدريب المسنين على الغزل، العجيب في شارلوتي أنها لم تكتفِ بالتطوع في مكان واحد فقط، بل في أكثر من مكان، فقد كانت تتطوع في منظمة مهندسون بلا حدود في الترويج لمشاريع هندسية في الدول النامية مثل مشروع بناء أفران “متطورة” بأدوات بسيطة للفلاحين في ريف بوليفيا في أمريكا اللاتينية. وهناك مشاريع أخرى تتطوع فيها، لم أكن أفهم من أين لشارلوتي الوقت أن تفعل كُل هذا ولكنها كانت تُخبرني أنها “تُحب التطوع لأنه يذكرها دائما ألّا تتقوقع على ذاتها، ولتفكر بالآخرين من حولها” وأما عن الوقت فقد أخبرتني: “لقد اكتشفت مؤخراً، كم هو مميز أن تكون نشيطًا، وعندما يقوم الإنسان بهذه المغامرات ويرى كم هو جميل أن يعمل ويتطوع فإنه سيخصص الوقت لذلك بكُل متعة.”

بدل الوظيفة وظيفتين!!

إن بعض الطلاب الألمان لا يتخيّل الحياة بلا حفلات رقص وسُكر، فالحفلات هي الملاذ بعد أسبوع مُرهق، بالنسبة لشارلوتي لم تعد الحفلات شيئًا مُهمًا، فالاستيقاظ باكراً والعمل بجد ونشاط كي تحظى بيوم “مُثمر” أجمل كثير بالنسبة لها  ،ولهذا لا ترى في العمل عبئًا كما يفعل كثيرون، وبالمناسبة فهي تعمل في وظيفتين في الجامعة، نعم وظيفتين من الوظائف التي تُخصصها الجامعة للطلاب وتُسمى Hiwi، بينما يتمنى غيرها من الطلاب أن يحظى بوظيفة واحد فقط، بالأخص إذا علمنا أن عدد طلاب الجامعة أكثر من 40 ألف طالب، فكيف حصّلت كُل هذا؟ الأكيد أنها لم تفعل مثل كُل الطلاب، لقد أخبرتني مثلاً أن سيرتها الذاتية ليست مُرتبة بشكل فائق، ولكن الحقيقة أنها كانت تستغل الفرصة لتعرض ما لديها من قُدرات على البروفيسور الذي يُعطينا مادة ما، هي تحبها وتزور كُل محاضراتها، وبالتالي فقد وجدت أن ذلك يعمل بشكل أفضل بكثير من مجرد إرسال البريد الالكتروني كما يفعل آلاف الطلاب.

لماذا كتبت عنها إذاً؟

لم يكن هذا كُله ليجعلني أكتب عن زميلة مثل شارلوتي ولكن الذي لم أذكره حتى الآن هو السر..!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 6 تعليقات

Tharwat Mohamad منذ 3 سنوات

كلما ازدحمت الاعمال علي الاوقات .. كلما اتسعت الاوقات لتسوعب المزبد من الاعمال وبالتالي كثيرا من الانجازات .. وثمة حكمة واظنها المانية تقول ( اذا اردت انجاز مهمة عاجلة …. فكلف بها رجلا مشغولا ) .

Dareen hamdan منذ 3 سنوات

السر ؟؟

Fatima منذ 3 سنوات

قصة ملهمة .. شكراً لمشاركتنا
منتظرين السر 🙂

Teeba منذ 3 سنوات

جميل جدا فتاة متفوقه و ذكيه ننتظر السر

بسمة السقا منذ 3 سنوات

ما شاء الله ، جميل أن يتصدر سلم أولياتها التطوع ومساندة كبار السن على العكس من كثير من هم غيرها لا يهتم ولا يفكر بالعلم والفائدة من تخصصه على قدر ما هو التفكير بالوظيفة ! ..
الأجمل أن شغفها لعمل كرات الصوف لم يلهلها ولم يؤثر على دراستها سلبًا بل كان سرًا للحصول على الدرجات العسلبً،
ليتني أصبح مثلها من هذه الناحية !

سجى زهران منذ 3 سنوات

بإنتظار السر 🙂

أضف تعليقك