شارلوتي .. زميلتي الألمانية ( 2 )

15 أغسطس , 2015

لم يكن كُل ما ذكرت في الجزء الاول سيجعلني لأكتب عن زميلة مثل شارلوتي ولكن الذي لم أذكره حتى الآن هو السر ..

فذات يوم رأيت صورًا لها مع ثلّة من زُملائنا يزرعون الخُضار في إحدى الحقول في مدينة آخن، هُنالك قررت أن أذهب لأرى بنفسي كيف يُمكن لإنسان متميز دراسيًا ونشيط اجتماعيًا .. أن يجد الوقت ليزرع الخضار في حقل “صديق للبيئة” لأنه لا يؤمن باستخدام الكيماويات في الطعام، وفعلاً وصلت الحقل بالحافلة، ووصلت هي بدراجتها الهوائية لنبدأ العمل بعد مُقدمة سريعة شرحت لي فيها إجراءات ضمان الأرض للزراعة والتكاليف، لنبدأ العمل بالتعشيب والسقاية ونقطف الثمار الناضجة، في النهاية عُدت إلى بيتي محملاً بالخضار الصديقة للبيئة والمجانية من حقل شارلوتي، وعدت كذلك بفكرة “خطيرة”، فقد لامست كيف يمكن للإنضباط أن يصنع العجائب، دراسة، تطوّع، هوايات .. وعمل، فلماذا لا ننضبط ؟! هل لأننا لسنا ألمان..؟

DSC_0791

أن تكون ألمانيًا .. أن تقول ( لا )  !

الحقيقة أن الألمان ليسوا خارقين للعادة كما يتخيّل البعض ، فلم أشعر يومًا أن شارلوتي تفتخر بألمانيّتها، ولكنني عندما بدأت محاولة فهمها وفهم الألمان، وإن كان هناك علاقة لنشاطهم بألمانيتهم، وضّحت لي: “لرُبما أن هُناك علاقة لذلك بكوني ألمانية، فعندما أنوي فعل شيء، يجب عليّ فعله، فإنني أفعل ذلك، أنا اعتقد أننا جيّدون في العمل بحزم وجد، ولا نترك “المُلهيات” تُسيطر علينا”، ما تقوله شارولتي ليس مفهوم ضمنًا، وليس درساً في التنمية البشرية ، فمن واقع تأملاتي لأحوال الطلاب ، تجد الطالب العربي او التركي مثلاً، يعشق الاستراحات العشوائية، وما أسهل أن تُلهيه عن الدراسة، ويمكن أن يجلس في المكتبة حتى منتصف الليل ثم يعود وهو يتحسر وكُله ندم لأنه لم يدرس، لأنه فعلاً لم يدرس وقضى وقته استراحات “عشوائية”، أما الطالب الألماني “الناجح” يمكنه أن يجلس بدون أن يرد على الهاتف إلا عندما يخرج لاستراحة (مخطط لها)، وهو يعرف كيف يقول لزميله ( لا ) عندما يدعوه إلى استراحة، أما نحن فمن الصعب أن نقول ( لا ) للملهيات، ولعل هذا سر “مشاكلنا” فالأكيد الأكيد،، أننا لسنا أقل ذكاء من الألمان.

البحث عن حياة أخرى .. !

لعلّ الذي يقرأ كُل ما كتبت عن شارلوتي، يظن أنها مُغترة بنمط حياة الألمان، ولكن الواقع أنها قررت أن تترك الدراسة في ألمانيا والانتقال إلى أمريكا لأنها تبحث عن “حياة أخرى”، نحن العرب نعرف ذلك جيدًا، فكثيرًا ما نتبادله ولا نعيه، وهو أن الألمان شعب بارد، فمن الصعب أن تجدهم لُطفاء مع من لا يعرفون، دُون توقع فائدة أو مصلحة ما من وراء ذلك، وهذا ما تؤكده شارلوتي نفسها، بل إنها تتمنى لو يتعلم الألمان من العرب وأهل أمريكا اللاتينية كيف يشعروا بطعم للحياة رغم كُل ما عندهم من مشاكل، وهي تؤكد أنها وجدت الناس في الهندوراس أكثر سعادة ولطفًا من الناس في ألمانيا، وتأسف كذلك أن الناس في ألمانيا متقوقعون على ذاتهم واهتماماتهم مُنصبهم على أشياء “غير مهمة”، فهم يعملون طيلة الوقت لشراء سيارة جديدة أو ليُسافروا رحلة مميزة، وينسون التفكير بالناس من حولهم، ولهذا فهي لا تفضل نمط حياة الألمان، وتُحذر من الانهماك كُل الانهماك في العمل و التقوقع على الذات.

” أحيانًا أشعر وكأنني روبوت ” .. !

بعد أن جرّبت شارلوتي الدراسة في جامعة كولن وآخن شعرت بشيء من الخذلان، ولهذا أرادت البحث عمّا هو جديد، فمشكلتها مع هذا النظام أن له أضرار وخيمة فتُخبرني: “أحياناً أفكر بأننا في ظل هكذا نظام قد نخسر قدرتنا على التفكير، أن نكون مُبدعين ومرنين، فنحن نتعلم الكثير الكثير ولكن بدون شغف ومتعة للمحتوى”.

وفي الختام ليست عندها مشكلة أن تعترف: ” إن الطالب في ألمانيا يتعلم الجديّة والاعتماد على الذات، وقد يكون هذا جيد لتأهيل الطالب لسوق العمل، إلا إنه سيء أيضاً لأنه يفقدنا “لذة العلم”، فأحياناً كُنت أشعر أنني (روبوت)، فنحن نتعلم ما يجب أن نعرفه للنجاح في الامتحان فقط، ولكننا لا نتعلم كيف نستخدم هذه المعارف في العمل مستقبلاً “.

كُل هذا جعل شارلوتي تُبدع في رحلة العلم على طريقتها الخاصة، عندما لم تستسلم لنظام دراسي لم يحترم عقلها ورغباتها، ولم تعد تطمح بعلامات ممتازة قد تنسى في شهادة مُعلقة على الحائط ذات يوم، بل راحت تُركز جهودها بالخوض في تجارب مميزة، في التطوّع والعمل ..، وهي تجارب لا يُمكن لأي جامعة في العالم أن تكون بديلاً عنها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 3 تعليقات

أنس منذ سنة واحدة

مقال جميل ,,, و ملهم , شارلوتي تعلمت كيف تستمتع حتى بالعمل

Farah منذ سنتين

مقال ملهم!

baraa tafesh منذ سنتين

مقالة رائعة بحق ،،
خرجت منها بأمرين
1. اعتمد على الفرص المباشرة في البحث عن عمل.
2.الانضباط يمكن أن يصنع العجائب

أضف تعليقك