طالب «سوبرمان»!

26 ديسمبر , 2016

صحيحٌ، أنني أفتخر بأنني لست من أولئك الذين لا يقضون أيّامهم الجامعيّة مُنغلقين على أنفسهم ويكادون لا يعرفون من الحياة إلا المحاضرات وواجبتها، بل الحقيقة أنني لا أطيق صُحبة هكذا طلاب، ولكن مُشكلتي الحقيقة ليست معهم، بل مع أولئك الطلبة “السوبر مان” ممن يُفاخرون بأنهم لا يدرسون إلا بضعة ساعات قبل الامتحانات ثم ينجحون!

ذات حديث مع “سوبر مان” عن أحد أصعب الامتحانات التي يُعاني منها ثلاثة أرباع الطلبة في جامعتنا وجدت صاحبنا يُخبرني ويؤكد لي بأنه لم يدرس لذلك الامتحان إلا 3 ساعات فقط، وأنا أعلم أن بعض الطلبة يدرسون لهذا الامتحان شهر وشهرين وبعضهم يخصص له فصلًا كاملًا كي ينجح فيه، لأنه يتطلب درجة عالية جدًا من الفهم والسرعة في الحل، وهو ما لا يأتِ إلا بالتمرن المُجهد والمتواصل، ليأتيني حضرته قائلًا بأنه نجح بعد دراسة 3 ساعات فقط، وراح يؤكد بأنه درس بضعة أسئلة وبالصدفة جاءت نفسها فنجح.. بالصدفة!

لا شك أن هناك امتحانات يُمكن أن ينجح الطالب فيها صُدفة، ولكن ليست كُلها، وبالتأكيد أنها ليست تلك الامتحانات التي تعجّز الأذكياء، فكيف بغيرهم؟ وعمومًا أصدّق أن بعض الجامعات أسهل من بعض، ولكنني مؤمن، إيمانًا عميقًا، أن أولئك الذين استطاعوا التخرّج من جامعاتهم دُون أن  يدرسوا إلا أيام الامتحانات ولساعات قليلة فقط، فهؤلاء يدرسون في الأماكن الخطأ، لأنهم إما أن يكونوا عباقرة جدًا جدًا والأولى بهم أن يكون اليوم ضمن قوائم “المخترعين” أو “المشاهير”، والأمر الثاني – وهو الأرجح- أنهم يدرسون في جامعات لا تستحق أن تُسمى جامعات أصلًا، بل رياض أطفال رُبما، والألقاب التي يحملونها يُمكنهم وكما يقول المثل الشعبي: “بلّها وشُرب مياهها”!

الأخطر من هذا كُله، أن البعض يعشق تقمّص دور “السوبر مان”، القادر على فعل أي شيء، دون بذل جُهد يذكر كغيرهم، ولا تبلغ لذّتهم الذروة إلا وهم يهزّون عرش ثقة الواحد منّا بذاته، وكأنهم يقولون: لو كُنت ذكيًا لنجحت دُون عناء، علمًا بأن أكثرهم يدرس الساعات الطوال، ولكن بعضهم يُحاول أن يُنكر ذلك، لغايات في النفس، فحديث واحدٌ مع هكذا “سوبر كذّاب” يُمكن أن يبث فيك الكثيرمن الكسل أو حتى الإحباط، وقد يركن الواحد منّا لهكذا كلام فيبدأ التأجيل والتسويف بينما “السوبر مان” في جدٍّ واجتهاد!

عن نفسي فقد جرّبت الدراسة في كليّة “سهلة” ثم درست في جامعة “صعبة”، وقد نجحت بالفعل في بعض المواد في الكليّة بالصدفة، كما نجحت في بعض المواد في الجامعة بالصدفة، ولكن الفرق، أن النجاح بالصدفة في الجامعة كان يتطلب منّي الدراسة أيضًا، لأن بعض المواضيع صعبةٌ مُتشعبة جدًا، مثل “القانون البيئي”، فمن جهة أنت لا تتقن اللغة الألمانية القانونية، ومن جهة فالموضوع بذاته صعب وفيه تفاصيل معقدة لطالب الهندسة، وقد تصل إلى الامتحان وأنت لم تصل إلا إلى 50% من الفهم، يومها لا أظنني كُنت سأنجح لو كان الامتحان بأسئلة مفتوحة وليس أمريكيًا ( اختر الاجابة الصحيحة)، وبالتالي كانت نصيحة أكثر زُملائي الألمان الذي كانوا يُعانون من مشاكل في فهم الموضوع كذلك: تخيّل أنك في لعبة حظ، ولن تخسر شيئًا!

ألعاب الحظ هذه يُمكن أن تنفع مرّة أو مرتين، ولكنها بالتأكيد لا تنفع دائمًا. وأنا متأكد بل وواثق جدًا، أن الحياة أبعد من أن تكون مُجرد لعبة حظ، صحيحٌ أن الحظ يُحالف البعض، ولكنه لا يُمكن أن يحالف أحدنا دائمًا. وقصص “السوبرمان” ممتازة للأفلام فقط، ولكنها لا تصلح للحياة أبدًاً!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك