عَزَاءُ .. أَصْحَابِ الْعُقُولِ الْبَطِيئَةِ !

8 أكتوبر , 2017

 

لقد عانَيْتُ كثيرًا في بداية دراستي الهندسةَ باللغة الألمانية، ففكرةُ الدراسةِ بلغةٍ أجنبيَّةٍ مسألةٌ ليستْ سهلةً بتاتًا؛ فكيف الأمر بدراسة موضوع كالهندسة البيئية التي تتطلب مهارات لغويَّة ورياضيَّة في الوقت ذاته؟ وكيف يكون الأمر إن كُنتَ من “أصحاب التفكير البطيء” ممن يُفضلون التفكير “على رواق”؟ ثم تدخل قاعة الامتحانات فتجد أنه ليس بحوزتك إلا 60 أو 50 دقيقة للإجابة عن امتحان كامل؟

الامتحانات الأمريكيّة أنقذتني!

لا شَكَّ أن الأمر صَعْبٌ، صَعْبٌ جدًّا، لكن أحيانًا تتدخل الْمُعجزات و”لُطف الله” ورحمته بنا، وما زِلْتُ أتذكر نفسي كيف دخلتُ امتحانًا في عامي الدراسي الأول، ووجدْتُ الكثير من الأسئلة النظريَّة باللغة الألمانية، ووجدت العديد من الأسئلة الحسابية في مجال “فيزياء المباني” وكان الوقت الْمُخصص 55 دقيقة فقط لحل امتحان من ثماني صفحات، وما إن طالعتها حتى قلت: “لا بُدَّ أنني ساقط” وهممت بالخروج من القاعة لأنني أيقنت بأنني لن أستطيع ذلك، فما كان من المسؤولة إلا أن نصحتني نصيحة جليلة بأن أترك كُل الجانب الحسابي وأركز على جُزء الأسئلة الأمريكية “الإجابات المتعددة” لأنني إن نجحت فيه كاملًا، سأنجح في الامتحان، وبالفعل اتبعت النصيحة، ونجحت!

 

 

هندسة الأنهار وأنصاف الحلول!

 

أحيانًا لا تكون الأمور بهذه البساطة، وما زلتُ أتذكر امتحانات في “هندسة الأنهار” وهو عبارة عن حسابات دقيقة جدًّا تبحث في كيفية جريان المياه وتأثيراتها على النهر، وكُنتُ قد درستُ للامتحان طويلًا، ولكن البروفيسور كان يُحب اختراع الأسئلة المبتكرة، ويأتينا دائمًا بكل ما هو جديد وباهر، والنُكتة أن الامتحانات عنده كانت لا تزيد عن 60 دقيقة، وهي مُعاناة حقيقيَّة جدًّا لكل طالب لا يُجيد “السرعة الخارقة” في الحل، أو لا يُجيد “التخطيط الاستراتيجي للنجاح في الامتحانات” وأقصد بذلك أن حل الامتحان بكامله لدى هذا الأستاذ هو أشبه بحلُم، حتى لو كان الطالب محيطًا بالمادة، لأن الوقت ضَيِّقٌ حقًا، ولا أبالغ إن قُلتُ بأنني شعرتُ في إحدى الامتحانات بحالة من “الغياب”، كُنتُ أشعر وأنا أمسك القلم بأنني غرقت في الحل، “فلا أتنفس” ولا أشعر بنفسي إلا عندما ينتهي الامتحان.

في امتحان “هندسة الأنهار” وجدت نفسي بعد 20 دقيقة مُحبطًا جدًّا، وهممت بالخروج؛ لأن الأمل بالنجاح كان ضعيفًا جدًّا، بَيْدَ أَنَّني حظيتُ مرَّةً أخرى بنصيحة المسؤول بعد أن نظر في دفتري “خسارة أن تخرج الآن” ونصحني على الأقل بكتابة أنصاف حلول دُون الحلول الكاملة، وبالفعل قُمتُ بذلك، وكانت المفاجأة أنني نجحت بعلامة لم أتوقعها بتاتًا.

تقنيّات الجيولوجيا.. والتكرار بلا ملل!

فكرةُ أنصاف الحلول جيِّدة أحيانًا؛ لأنها تُعطي الطالب نوعًا من الثقة بأنه كتب شيئًا ما على الأقل، وهذه الثقة كثيرًا ما تقوده إلى كتابة الحل الكامل، ولكن هذا لا يعني أنها تنفع دائمًا، وقد جربتها في امتحان حول “تقنيات الجيولوجيا” وكان عبارة عن 4 مسائل، كل مسألة مكتوبة بلغة تقنية ألمانية رصينة تحتاج من الطالب قراءة متأنية ثم حل المسألة، وكان المحاضر سخيًّا بأنه منح الطالب 10 دقائق لقراءة المسائل فقط ثم 60 دقيقة للحل، ولأنه يعلم أن حل الامتحان بالكامل شبه مستحيل، لم نكن بحاجة لحل كل الامتحان للحصول على علامة كاملة، ولكن النكتة أن الحصول على نجاح في هذا الامتحان لم تكن أساسًا فكرة سهلة.

سقطتُ في الامتحان في أولِ مُحاوَلَة مع أنني درستُ كثيرًا، ولكن فكرة مثل هذا امتحان كأكثر الامتحانات الصعبة التي تتطلب السرعة في الحل، وهي التمرُّن بلا كلل أو ملل، وليس الفهم، فالفهم وحده وحل المسائل هو جُزء بسيط جدًّا من المجهود للوصول إلى النجاح؛ لأن الامتحان مليءٌ بالمفاجآت والمسائل التي تتطلب سرعة عالية جدًّا في اتخاذ القرارات، حيث لا وقت للتفكر والتدبُّر و”التحزُّر” في داخل الامتحان، لأن الوقت ثمين جدًّا، وللعلم فإن مثل هذا امتحان كثيرًا ما تُقدر فيها الدقيقة بعلامة، أي كُل دقيقة هي علامة أي “60 علامة خلال 60 دقيقة”، وكُل دقيقة ضائعة تُقَلِّص من فرص النجاح، وبالتالي فإن الطالب الذي يدخل مثل هذه الامتحانات مغترًّا بفهم المادة لن ينجح غالبًا، بَيْدَ أنه سينجح لو تمرَّن كثيرًا، وأفضل وصفه توصلْتُ إليها، هي أن يقوم الطالب باختيار مجموعة من الأسئلة الصعبة وتكرار حل الواحدة منها 3 مرات أو حتى 4 أو 5 مرات أحيانًا بحسب الحاجة، وهي الوصفة التي ساعدتني للنجاح فيه لاحقًا!

 

 

خلاصة.. الوصفة السحريّة!

خلاصة الكلام أن السرعة في التفكير وابتكار الحلول هي ملكة مطلوبة جدًّا في عصر السرعة، والكثير من الجامعات الراقيّة لا تقبل من طلابها التخرُّج دُون أن يتدربوا عليه، ولكن الْمُشكلة حين تشتد المعايير والصرامة، فلا يكون للطالب خيارٌ إلا بابتكار استراتيجيات للنجاح، كفكرة أنصاف الحلول، أو التركيز على قسم دُون آخر وفق قُدراته، ثم الأصعب هو اتخاذ القرارات بتأجيل امتحان على حساب آخر، للتمرن للامتحانات الصعبة لفترة أطول، وحل الأسئلة مرارًا وتَكرارًا دون ملل لضمان النجاح.. وهي وصفة شبه مضمونة، وتحتاج الكثير من الصبر.. الكثير الكثير، وقال سَأَلْتُ أحدَ المساعدين في قسم الرياضيات عن كيفية تمكنه من حل أحد الأسئلة الصعبة والْمُركَّبَة بعشرة دقائق، فقال باختصار: إن قُمتَ بتكرار مُحاولة حله 10 مرات.. سوف تتمكن من ذلك أنتَ أيضًا!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك