على هامش مشروع التخرج.. هذا ما تعلمته!

4 مارس , 2019

لم أكن يومًا ممن يطمح إلى الحصول على علامة عالية فحسب؛ فالعلامات لا تعكس الكثير عنَّا بقدر ما توهم بعض الناس بأننا مُتفوقون أو لربما فاشلون.. ولأن هذه المعايير لم تَرُقْ لي يومًا.. لم يكن هدفي من مشروع التخرج الحصول على علامة باهرة.. فللحصول على علامة عالية يُمكن التوجه لأي مكتب نَصْب وشراء بحث ممتاز والحصول على علامة 100% أحيانًا، وينتهي الأمر..

بينما لا يوجد أي مكتب في العالم يبيعك شيئًا من الخبرة والمُتعة دُون جهد منك، وفي هذه المدوَّنة أقدِّم خلاصة تجربتي مع مشروع التخرج لكلِّ مَن يبحث عن أفكار مُلهمة.. تُساعده على الاستفادة من هذه التجربة الجامعية بأكبرِ قدر ممكن.. ليس من أجل علامة أفضل.. ولكن من أجل خوض تجرِبة لن تتكرر كثيرًا!

لا تبدأْ من الصفر

سواء أكُنَّا نتحدث عن إقامة مشروع ثقافي أو سياسي أو صناعي أو حتى كتابة بحث تخرُّج؛ فإن واحدة من أفضل النصائح التي سمعتها في حياتي هي لا تبدأْ من الصفر وقد قرأتُها للمرة الأولى في كُتيِّب زلزال العقول للمهندس وائل عادل، كما سمعتها مرارًا من استشاري الكتابة العلمية الذي رافقني طيلة خلال فترة كتابتي لمشروع التخرج، حيث كان يُلحظ عليَّ الاضطرابُ والضياع في بداية الأمر.. لأنني لم أجد مراجعَ كافيةً، وكان عليَّ القيام بالتجارِب بنفسي؛ فكان يُطمئنني قائلًا: الإنجيل كُتب مُنذ قديم الزمان وهو يقصد بذلك أن مشروع التخرج لا يتطلب اكتشاف العالم من جديد، ولا شك أن هناك الكثير حول الجزئية التي كُنت أبحثها..

هذا ما يجب على كُل طالب فعلُه قبل أي بحث وهو فهم الوضع التقني الحالي، أي بحث ما تم الوصول إليه حتى اليوم.. وأين الثغرة التي سيتناولها البحث؟ هكذا يكون العمل أسهلَ بكثير.. وقد تبدو هذه المسألة بسيطة نظريًّا، بَيْدَ أن ذلك المشرف أكد لي مرارًا أن الكثير من الطلبة يجدون صعوبة بالغة في فهم سؤال البحث.. وكثيرًا ما يؤدي بهم ذلك إلى الكتابة عن كُلِّ شيء إلا عن النقطة المطلوبة منهم بالضبط!

لا تقرأْ كُل شيء!

خلال دراستي كان لا بُد من القيام بثلاثة مشاريع بحثية قبل التخرج.. ومع أن أول مشروع مرَّ بسلام، ولم أعاني منه إلا في جُزئية الكتابة العلمية بلغة لم أتقنها بعدُ، وهي الألمانية ولمَّا كان المشروع جماعيًّا؛ فلم أضطر للمطالعة كثيرًا.. ولكن الورطة كانت في المشروع الثاني؛ حيث كان لا بُدَّ لي من مُطالعة عدد كبير من الأوراق البحثية باللغتين الإنجليزية والألمانية..

في الجلسة الأولى مع المشرف أخبرني بأنه سيرسل لي 60 ورقة علمية “paper” بدايةً فقط.. فالمطلوب مني أكثر بكثير.. وصدمني الأمر، وكُنت أفكر في أن أكتب له بأنه لا طاقة لي على هذا المشروع، ولكن ما جذبني في الرجل أنه علمني بضعة أمور سأذكرها لاحقًا جعلتني أشعر بأن استفادتي منه ستكون أكبر من مجرد علامة“. 

كُنت أعلم أن المهمة لن تكون سهلة؛ فالتحقت بدورة في الكتابة العلمية تقدم خبرة في الكتابة العلمية لطلاب الهندسة، وكان من أجمل ما تعلمته فيها أن الأبحاث العلمية ليست روايات كي تقرأ من الجلدة للجلدة وكان كلامها مُلهمًا بأن القراءة من الجلدة إلى الجلدة قد تكون مضيعة للوقت أحيانًا وليس دائمًا وقد ساعدني ذلك جدًّا، ليس في مشاريعي الجامعية ولكن لمُطالعتي في الفكر والعلوم..

فالمُطالعة من الجلدة إلى الجلدة ليست الحل غالبًا.. بل على العكس هُناك كتب يجب أن تُقرأ بحسب الحاجة ولا تهضم حقًّا إلا إن قرأ منها الفصل الذي يُلائم اهتمام القارئ..

والأبحاث هكذا، كثيرًا ما يكون فيها حشوٌ لا يحتاج إليه الطالب.. أو تفاصيل لن تغني بحثه شيئًا.. ثم وجدتني لاحقًا استشهد بـ 100 مرجع، وليس 60.. فقد كان المطلوب مني هو تركيز بضعة موادَّ معينة في مخلفات نبتة ما، وأحيانًا كنت أبحث في مرجع واحد فلا أجد إلا قيمة واحدة لا غيرُ!

نَظِّمْ وقتك.. تاريخ التسليم؟

قد تبدو هذه المعلومة تقليدية.. ولكنها في الواقع كلمة السر للنجاح في الكثير من المشاريع، وتكررت على مسامعي خلال دراستي في ألمانيا، ومن أجمل وأبسط الدروس التي تعلمتها خلال ورشة في تنظيم الدراسة هي أن تُحضر ورقة وتكتب فيها تاريخ التسليم المحتمل مثلًا.. ثم تسأل نفسك ماذا يجب أن أكون قد أنجزت قبل يوم من التسليم؟ وقبل أسبوع؟ وقبل شهر؟ وهكذا..

المسألة ليست سهلة دائمًا، ولم تنجح معي دائمًا.. ولكنني كُنت أطبقها على نحو جزئي فتساعدني على تحقيق نتائج لا بأس به، مثل تسليم البحث في الوقت المخطط له دون انتحار ودون جنون ما قبل التسليم، وفي أحد المشاريع الجامعية التي عملت عليها، وجدتُ المشرف مُنذ اليوم الأول يفتح لي مِلفًا يُتابع الطلاب الذين يُشرف عليهم فيه، ويسألني عن مجرى عملي، وسألني إن كان عندي عُطل أو امتحانات معينة وبالفعل.. بفضل هذا التخطيط الجيد مُنذ البداية، وجدت نفسي أسلِّم المشروع في الفترة المتفق عليها دُون أيَّة مشاكل!

نظِّمْ أوراقك.. Citavi!

لعل الكثير من الطلبة سمعوا عن أهمية تنظيم الوقت في بيوتهم أو مدارسهم، ولكن الأكيد أن نسبة كبيرة من الطلبة لم تسمع ببرامج إدارة المراجع مثل Citavi أو EndNote، بل إن الكثير من الطلبة قد يتخرجون من الجامعة دُون أن يسمعوا بهذه البرامج.

خلال عملي تحت إشراف أحد طلبة الدكتوراه وجدته يُهددني بكُل لباقة كما هي عادة الألمان بأنه لن يقبل مني المشروع إن لم أقم بتسليمه مِلفًّا مُنظمًا لكل المراجع على Citavi، وكان ذلك أولَ يوم أسمع بهذا البرنامج.. فأهملت الفكرة وإذا به يُذكرني بها ويؤكد تهديده ثم لم يكن لي بُد من زيارة دورة سريعة تعلمني البرنامج، وبصراحة فإن هذا البرنامج هو أداة ساحرة لكل مَن يعمل على مشاريعَ بحثيةٍ تعتمد على مراجع كثيرة.

لاحقًا اكتشفت أن الرجل أسدى لي بخدمة عظيمة من خلال تهديده لأن البرنامج فيها خصائص مميزة مثل ترتيب المراجع بحسب فهرس البحث كما يتيح فرصة إضافة المراجع في ملحق البحث بكل سهولة والتعديل عليها وأمور أخرى كثيرة.. لم أكن لأتعلمها لولا ذلك التهديد الجميل، وبالتأكيد فإن البرنامج يصلح لكل من يُحب تنظيم أوراقه في العمل والحياة.. وليس للجامعة وحدها!

التدوين.. يبدأ من أول يوم

يجب أن نعترف أن التنظيم ضروري جدًّا، ولكنه وحده ليس كافيًا.. ولهذا فحتى برامج تنظيم المراجع مثل Citavi تقدم إمكانية تسجيل الملاحظات لكل مرجع ولكل اقتباس.. وهذا ما تم التأكيد عليه مِرارًا في دورة الكتابة العلمية التي حضرتها، كما أكده لي أحد أصدقائي ممن سبقني في التخرج، وكُنت كلما سألته عن نصيحة قال: لا تتأخر في كتابة الملاحظات، أكتب كُل يوم ماذا فعلت وما أنجزت وأهم ما قرأت ولو كان قصيرًا.. وبصراحة فإن هذه النصيحة جعلتني ألتفت لمسألة ساعدتني بشكل مُذهل.

لا أتخيل كيف كان بإمكاني أن أنجز مشروع التخرج بدونه، وهو تصوير كُل مرحلة بكل دقة.. وهو التدوين بالتصوير فقد قمت بإعداد ألبوم على حسابي في جوجل وكُنت أصور كل خطوة خلال قيامي بمُختلِف التجارب، فأتاح لي ذلك معرفة توْقِيتِ كُل خطوة بمنحاة دقيقة، كما كُنت أسجل بعض الملاحظات المهمة بحسَب عنوان الصورة، كما كُنت ألتقط صورة تُعبر عن ظواهر تستحق الالتفات بشكل خاص وأسجل ملاحظاتي بحسبها.. وهذا التدوين يستحيل أن يقوم به الإنسان في النهاية، بل يبدأ من أول يوم.. وللعلم فهناك مواقع وبرامج متخصصة لكتابة الملاحظات على المشاريع وترتيبها وتنسيقها.

عمومًا فإن هذه النصيحة يُمكن ألا تكون ضرورية للنجاح في المشروع.. ولكنها ستؤثر في جودة المحتوى بلا شك، فالكثير من الملاحظات الثمينة التي تخطر في أذهاننا وقتَ التجربة قد تصبح نسيًا منسيًّا عند البَدء في مرحلة الكتابة.. وبالفعل فحين جاءت وقت المناقشة وجدتُ أن مُلاحظاتي التي قُمتُ بها بسبب التصوير حظيت بإعجاب المُشرفة وتقديرها، بل أخبرتني أنها ستوكِّل طلبة آخرين لبحث بعض مُلاحظاتي المهمة.

Google Scholar و Sci-Hub

جميعنا نعرف موقع جوجل بينما نسبة كبيرة من الناس لم يسمعوا بجوجل الباحث العلمي، وهو متخصص في البحث عن مراجع أكاديمية، والأهم من هذا أن أكثر الباحثين الذي صادفتهم يعدون هذا الموقع ممتازًا جدًّا، ويكفي للوصول لأفضل الأبحاث.. والوصول للبحث لا يعني إمكانية مُطالعته؛ فهذا يتطلب من الباحث دفع مبلغ يصل إلى 30$ في المعدل للورقة البحثية الواحدة، فإن اضطر الطالب إلى 10 أوراق فقط.. فعليه أن يبفق 300$ وهو مبلغ ليس بسيطًا بالنسبة للطالب، وقد وجدت أحد المشرفين يُرشدني إلى موقع ساي هاب Sci-Hub” باعتباره من أفضل المواقع لتنزيل الأوراق البحثية مجانًا.. وطلب مني ألا أخبر أحدًا أنه أخبرني به.. وقد حصل معي ذلك في ورشة شاركت بها في مكتبة الجامعة حيث أخبرنا الباحث عن موقع مهم جدًّا ولم ينطق اسمه، فعندما أخبرته باسمه.. اكتفى بالابتسامة، ومع أن الموقع انتشر كثيرًا في الأشهر الأخيرة إلا أنه صادفت عددًا لا بأس به من طلبة الدراسات العليا ممن لم يسمعوا به قط، وقد كتبت عنه تقريرًا يُمكنكم مطالعته هنا!

بالمناسبة: صحيح أن هذه كافية للحصول على عدد مُذهل من المراجع، إلا أنني أنصح عن تجرِبة بزيارة المكتبة العامة للاطلاع على مرجع عام حول الموضوع، وذلك من أجل فهم أفضل لسياق الموضوع.. كما أن التجربة علمتني أن الكثير من المراجع المميزة لا يُمكن الوصول إليها من خلال جوجل، بينما توجد في مكتبة الجامعة!

مشروع التخرج.. فرصة للإبداع!

رُبما لأنني لا أحب القوالب الجاهزة، فإن الخُطط الدراسية الجاهزة لا تروق لي كثيرًا، حيث لا توجد أي فسحة للاختيار غالبًا.. بينما في مشروع التخرج كُنت أجد هذه الفرصة لأن أغوص؛ لأنني مُهتم به حقًا.. ويُمكنني أن أفهم أن أكثر الطلاب لا يُبالون إلا بالعلامة النهائية بعد أن أنهكتهم المواد والامتحان، إلا أنني لم أكن أفكر بالعلامة بقدر التجربة التي سأعيشها.. ولطالما كُنت أختار مواضيع مثيرة، وكان هذا يجلب لي الحرج أحيانًا..

فعندما درست الهندسة التطبيقية في المكانيات والسيارات اخترت بحث فكرة بيئية ما متداولة بين هواة السيارات ولكنها غير مطروحة في المحاضرات ولا الدراسات، وكانت النتيجة أنني تعرضت للنقد عند مناقشة المشروع، ولم أحصل على علامة جيدة.. وفي مشروع التخرج من الهندسة البيئية وجدت موضوعًا لدى أحد الأساتذة المفضلين لدي.. ووافقت؛ لأن المشرفة أخبرتني أن المشروع هو عبارة عن سؤاله وجَّهَهُ أحدهم لأستاذنا البروفيسور ولم يجد إجابة عليه.. ولا بُد من بعض التجارب للوصول للإجابة، فوافقت على الحال.. على الرغم من معاناتي الشديدة مع المشرفة التي لم تكن تفقه كثيرًا في الموضوع، ولكن في كل المشاريع التي قُمت بها، كُنت أشعر أنني أعيش تجرِبة البحث والتجريب بكل شغف، وتعلمت منها أمورًا أستفيد منها في حياةِ ما بعد الجامعة.. وتعلمت منها أكثر بكثير مما كُنت أتوقع تعلمه عندما بدأت.. والأكيد أن هذا كُله كان أهم عندي بكثير من العلامة التي سأحصل عليها في النهاية!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك