غُرفة يا عالم..!

23 نوفمبر , 2015

في الغربة لا يُمكن استبعاد شيء أبداً، فإن لم تكن “غنياً” أو ليس عندك ما يكفي من العلاقات والأصدقاء فقد تحظى بقضاء ليلة في محطة القطار أو الشارع، وربما يجرك سوء حالك لسؤال أحد من أهل المسجد عن إمكانية قضاء ليلة فيه، أو لربما في منزله لأنك لم تعثر بعد على (غرفة) تقضي بها لياليك بعد أن تكون قد أتممت يومك في الجامعة، ولربما بعد أن تغلق المكتبة أبوابها، والقضيّة ليست “فقرك”، القضية أن هذه المدن الكُبرى تبدو أحياناً وكأنها بعد أن احتضنت مئات آلآلاف من أهلها والآن عاجزة عن إيوائك أنت.

لست أبالغ ابداً إن قلت بأن الحصول على الغرفة أصعب بكثير من الحصول على قبول جامعي من جامعة ألمانية راقية مثل جامعة آخن، يوجد فيها حوالي 45 ألف طالب، وهناك 10 آلاف يدرسون في جامعة العلوم التطبيقية في المدينة نفسها وطلاب التدريب المهني وغيرهم، لربما يصل عدد كُل هؤلاء الطلبة في مدينة “صغيرة” مثل آخن حوالي 60 ألف طالب، نعم جامعة صغيرة مقارنة بهامبورغ وميونخ ودوسيلدورف وبرلين طبعاً، ولكن في الواقع 60 ألف طالب هم “مدينة”، في حين أن مساكن الطلبة بالكاد تتسع لـ 5000 طالب فقط!

لي زميلٌ ترك الجامعة لأنه لم يعثر على سكن، وكان عندي جارٌ سقط في أول فصل لأنه لم يعثر على سكن أول شهرين، وكان يضطر للسفر ثلاث ساعات يومياً حتى يصل الجامعة، وحدثني آخر بأنه بات ليلة في محطة القطار قبل أن يجد من يأويه في غرفته حتى يجد “غرفة”، وهؤلاء ليسوا فقراء، ولعل بعضهم كان مستعداً لدفع 350 يورو مقابل غرفة واحدة فقط في حين أن غرف المساكن الطلابية لا تكلف إلا 180 أو 200 يورو، بل وأحياناً قد تكون مستعداً لدفع 400 يورو مقابل غرفة كي تنتهي من المشاكل ولكنها تأبى إلا أن تُلاحقك.

شخصياً كدت مرة أُطرد من ألمانيا بسبب السكن ومشاكله، فقد نزلت في مدينة صرت أسميها “مدينة النحس” عند صديق صديقي، ولأن الأمر “ممنوع”، وكنت قد سجلت عنواني عنده، فكشفتني مسؤولة مكتب الأجانب وقررتْ أن “تخرب بيتي” فاتصلتْ بالسكن وفضحتنا كي نُطرد أنا وهو، وقررت أن تُعطيني إقامة لأسبوع واحد فقط، وممنوع أن أخرج فيه من حدود الولاية، حاولت حينها أن أدفع 400 يورو لغرفة ولم تمش الأمور كما أُريد، اتصلت بالسفارة وتحدثت مع القنصل ولم ينفعني بشيء، ذهبت للمسجد وطلبت من الإمام أن يساعدني بالعثور على غرفة من خلال معارفه ولم ينفع الأمر، لم ينتشلني من المشاكل يومها إلا طالب نصب عليّ بـ 200 يورو وأخذني إلى مكتب مساعدة اللاجئين في المدينة، على الرغم أني لست لاجئاً، ولكنني استعنت بالهروب من المدينة إلى مدينة أخرى بعيدة.. تُنسيني كل هموم مدينة النحس.

ختاماً، لست أول ولا آخر من يقع في هذه المشاكل، ولكن النصيحة التي لا جدال فيها حتى اليوم أنك كُلما بدأت البحث بشكل أبكر، حظيت بفرص أكثر وبأسعار أفضل، وارتحت أكثر، ولكن مشكلتنا أننا أهل الدقيقة الـ 90، لا نتحرك إلا آخر لحظة!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك