فلسفةُ أن تتمنَّى الرُّسُوب!

22 مارس , 2017

لا أكشف سرًّا إن قُلتُ بأن النجاح شيء، والفهمَ شيءٌ آخر تمامًا، وبالأخص في عصرٍ باتت الأرقام فيه تتحكم بمصائر العِباد، حيث يُمكن لعلامة واحدة أن تقرر لك بأن تحمل شهادةً ما، ويُمكنها نفسها أن تكون سببًا في “السقوط” ويُمكن أن تعني أنك “فاهم” مع أنك لا تفهم حقًّا!

الطُّرْفُة تكون يومَ تجدُ نفسَك تحمدُ الله على النجاح؛ لأنك حصلت على علامة النجاح، بينما أنت تتذكر اللحظات الكثيرة التي كُنت تُجبر نفسك فيها على ألا تخوض في مسائل كثيرة أثارتك، وكُنت تود الغوص فيها؛ لأنه لا علاقة لها بالامتحان، وأنت بالكاد تفهم أصلًا تلك المسائل المعقدة التي تُثيرك، التي تحتاج وحدها فصلًا دراسيًّا كاملًا كي تفهمها؛ فتقرر غض البصر عنها وكأنها “لا شيء” مع أنها “كل شيء” فهي التي تثير الفضول والدهشة فيك للتعلم أكثر، أكثر بكثير من المسائل التي تثير إعجاب المحاضر فقط.

هذه اللحظات عشتُها شخصيًا في أكثر من مادَّة، وكثيرًا ما كُنت أقرأ في أمور أتمنى الغوص فيها، ولكن ما إن كنتُ أرى كَميَّة ما عليَّ إتمامه، أدرك أنني أقود نفسي إلى “السقوط” إن درَسْتُ ما يستهويني حقًّا، حتى رُحت ذات يوم بشكل عفْوي أتمنى السقوط في الامتحان، وبالفعل سقطت…

كان ذلك في امتحان في مجال الطاقة، وكانت هناك مسائل أساسيَّة جدًّا لأي شخص يرغب بالعمل في المجال، ولكن في الامتحان لم يكن هناك شيءٌ يَهُم المحاضر غير أن نثبت له بأننا قادرين على حساب الذرات وموازنات الطاقة المعقدة.. التي لن يضطر إليها إلا من سيكمل طريقة نحو مراكز الأبحاث.

 

 

كانت المادَّة سنويَّة، أي تدرَّس خلال فصلين، وفي الامتحان لم يكن هناك إلا بضعة علامات قليلة للمواد الْمُثيرة فعلًا، التي يُمكن أن نحتاجها في مُطالعتنا للأخبار الهندسيَّة والصراع على الطاقة في العالم، أو حتى التي يُمكن أن نضطر إليها قبل أن نتخذ قرارات هندسيَّة .. أما أحسن العلامات فكانت في إجراء الحسابات الكيميائية، ومعرفة كم عدد ذرات الهيدروجين والنيتروجين والأكسجين عند حرق نوع من أنواع الفحم المختلفة مثلًا، وهو أمر مثير ومدهش ولا بُد من فهمه لأي مهندس سيعمل في المجال!

 

الكارثة هي أن يتمكن الطالب من النجاح في الامتحان بعد أن يتعلم مجموعة خُدَع وحِيَل علميَّة لحل المسائل، وهو لا يفهم حقًّا إن كانت الحسابات التي يقوم بها عن الفحم الحجري أم عن نوع آخر، كما أنه لا يتمكن من كُل الحسابات، وهو ربما لا يدري أيَّ شيءٍ عن الفحم العضوي الذي يُذكَر في الأخبار مرارًا وتكرارًا، كما أنه قد يكون أجهل الناس بأهم الدول المصدرة للنفط؛ لأن هذا “لا يأتي في الامتحان” فقط.

لستُ هنا أبالغ لو قلت بأنه من السهل جدًّا أن تنجح في هذه المواد في الجامعة وأنت لا تعرف شيئًا عن إيجابيَّات استخدام الغاز الطبيعي بينما أنت “خبير” في حساب ذراته وطرق مُعالجته المعقدة، ثم ما تلبث بعد الامتحان؛ فتنسى الحسابات وبالتالي “ستنجح” وأنت في الواقع جاهل بحقيقة ما كُنت تجتهد في فهم حساباته طيلة العام!

 

لاحقًا نجحتُ في الامتحان؛ ليس لأنني فهمت كُل شيء أريده، ولكن لأني حاولت أن “أدجِّن” نفسي على عقليّة البروفيسور والجامعة، وهو أمر يتميَّز به كثيرٌ من طلبة العلم في الجامعات اليوم للأسف، وهو نفسه يجعلني أحيانًا واثقًا من أننا بحاجة إلى ثورة حقيقة في عالم التعليم.. فما أكثر المتعلمين! وما أقل الفاهمين!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك