فن .. النجاح بالحظ!

16 أكتوبر , 2017

لستُ ممن يُفضِّل الامتحانات الأمريكية على نمط “اختر الإجابة الصحيحة” مع أنني كُنتُ أفضلُّها في الماضي، لكن منذ بدأْتُ أدرُسُ الهندسةَ بالألمانية في جامعة فيها أكثر من 40 ألفَ طالبٍ، حيث ترى الجامعة في تصفِيَة الطلاب حاجةً ضروريةً من ضرورات وجودها واستمرار سُمعَتِها الحسنة بين أرقى الجامعات، لم أَعُدْ أفضِّل هذا النوع بتاتًا!

 

صحيح أنها أنقذتني ذات يوم في واحد من أصعب الامتحانات التي خُضتُها في حياتي، وهو امتحان “القانون البيئي” وكُنتُ حينها في الفصل الثالث، وبالكاد لغتي بدأت تتحَسَّن، فكُنتُ أذهب للمحاضرات، وأستمع، وأخرج وأنا مُحبَطٌ؛ لأنني في الواقع لم أفهم إلا بعض الكلمات، وبعض الأمثلة الْمُبسطة، أما اللب والأفكار الهامة فلم أكن أفهم أكثرها.

 

مُشكلتي مع هذه المحاضرات أنها تستثير كل ما فيَّ من غَضَبٍ داخليٍّ، لربما لأنها تُحاول زعزعة ثقتي بنفسي، وكأنها تُحاول أن تقول لي “نعم.. أنت لا تستطيع” وكانت هذه الفكرة ترعبني فيُخيَّل إليَّ كُلما تذكَّرت يوم الامتحان أنني سأفشل المرَّة تِلْوَ المرَّة إلى أن أصل إلى المرة الثالثة؛ ومن ثَمَّ سأطرد كما هو قانون الجامعات في ألمانيا، حيث يحصل الطالب على 3 فرص فقط، ثم مُحاولة أخرى مع الأستاذ، وبعدها يُطرد من التخصص، ولا يتمكن من العودة إليه إلا بواسطة المحاكم أو بالانتقال لجامعة أخرى في ولاية أخرى مع قوانين أخرى – في أحسن الأحوال!

 

حتى في أصعب الامتحانات التي واجهتها، فإن النجاح فيها لم يكن مستحيلًا إِنْ خصَّصَ الطالبُ لها وقتًا، وقد يستغرقُ التحضيرُ لبعضها شهرًا أو شهرين، وبعضها ستة أشهر، ولربما أكثر، كما يفعل بعض الطلبة في بعض التخصصات الصعبة في جامعتنا –كالفيزياء والهندسة الكهربائية مثلًا- وبالفعل فإن النسبة الأكبر منهم تجتاز الامتحان في النهاية.

 

النُّكتة في امتحان “القانون البيئي” أنني لم أكن أفهم كيف يُمكنني النجاح وأنا لا أفهم الكثير حقًّا، حتى مع حفظ كُل المصطلحات، فإن الخدع اللغوية المستخدمة في الأجوبة المحتملة ليس من السهل كشفها، ثم من هذا الذي سيزعم بأنه سيفهم كل الأسئلة؟ في هذا الامتحان بالذات التقيت ببعض زُملائي الألمان قبل الامتحان وسألني أحدهم: “كيف يُمكنك أن تحضر لهذا الامتحان وأنت لستَ بألماني؟ إنه صعب علينا.. فكيف يُمكنك فعله أنت؟”

 

يومها كُنت قد استَشَرْتُ زميلةً من أصول أجنبية؛ فقالت لي الوصفة السحريَّة: “ببساطة.. تخيَّل نفسك في لعبة حظ” صحيح أن فكرتها مجنونة، لكنها لم تكن سيئةً، بل هي السر في نجاحي تقريبًا، فمع أنني قرأتُ الأسئلة مرَّةً واثنتين إلا أنني لم أستطع حل الكثير من الأسئلة، وهنا عُدت لنصيحة زميلتي مع شيء من “التخمين الذكي” المبني على إقصاء بعض الأجوبة كما يحدث في برنامج من سيربح المليون عند “حذف إجابتين” أو حتى مع اتباع “الحاسة السادسة” استطعت النجاح بالفعل، وبعلامة مثل علامة زُملائي الألمان، كانت العلامة سيئةً، لكنني أحمد الله أنني تخلصت من ذلك الامتحان، فليس عنده وصفة للنجاح فيه غير “الحظ” و”التخمين الذكي”!

 

إن كان هناك حسنة حقيقيَّة لهذا الامتحان مع أنني خرجت منه دُون أن أتعلم الكثير في القانون البيئي فهي أنني خرجْتُ منه قد تعلمتُ ملكةً ضروريَّةً ومُهمةً جدًّا في الحياة العملية والمهنيَّة لاحقًا، وهي أهم بكثير من القانون البيئي، والحاجة إليها حاضرة كُلَّ يوم تقريبًا، مع كُل عملية اتخاذ قرار يتطلب شيئًا من المغامرة والمخاطرة، كما أنها تتطلب مهارة “التخمين الذكي” التي تعلمتُها في هذا الامتحان!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك