فن .. النجاح بلا فهم!

15 يونيو , 2016

واهمٌ جدًا، من يتخيّل أن الجامعة ذلك الصرح المقدّس، الذي يزرع في الطلبة حُب العلم وتمجيده، فهي قد تُبعدهم عنه ولا تقرّبهم، فما أكثر الامتحانات الجامعيّة التي يُمكن النجاح فيها بلا فهم، بالتكرار “المجنون” أو بالحفظ عن ظهر قلب يُمكن “تشطيب” أكثرها، بل إن طالب دكتوراه في الفيزياء أكّد لي أنهم في كثير من الأحيان يبحثون ويبحثون ولا يجدون تقدّمًا، فيقومون بخدعة معيّنة في المختبرات لإثبات صحّة ما يذهبون إليه، بعلم “البروفيسور”، وهكذا يحصلون أيضًا على لقب “دكتوراه”، والأكيد أن هذا لا ينطبق على كُل تخصص وكل جامعة ولكنه ينطبق على أكثر الجامعات وأكثر الطلبة وهذه تجربتي مع طلبة ألمان، ويهود وعرب!

ليس مستحيل، ولكن…

في السنة الثانية من دراستي في ألمانيا، حيث يُفترض الانتهاء من دراسة الهندسة في ثلاث سنوات فقط، وجدت نفسي أمام مقرر فيه 12 امتحان، كان يُفترض أن أقوم بها جميعًا، ولكنني قررت ألا أفعل، حفاظًا على نفسي من الجنون، فالمسألة في الواقع ليست مستحيلة، ولكن تحتاج من الطالب أن يكون ماكينة، والألمان بارعون في هذا المجال، فحتى في كُرة القدم يُلقب لاعبيهم بالماكينات، ولفهم حقيقة الأمر، فإن الطالب الألماني يُفترض به إنهاء البكالوريوس والماجستير في 5 أعوام فقط، في حين أن الطالب في معظم الدول العربية يُفترض به أن ينهي البكالوريوس فقط في هذه الفترة، وهو فرق شاسع، وكعربي فإنني أميل للعرب، فالعلم “أشرف” من أن “يكدس” في عقول الطلبة، ولطالما أخبرت زُملائي الألمان بذلك، كوني رفضت الانصياع للمقرر الدراسي ولم أتقدم إلا لـ 8 امتحانات من أصل 12، وكان مُعظمهم يؤكد لي أن هذا جيّد وأنهم يُفضّلون لو كان بإمكانهم الدراسة على مهل، ولكنهم يُريدون “الإنتهاء”!

النُكتة أن 8 امتحانات خلال فصل واحد في الهندسة البيئية، ليست مستحيلة، ولكنها في الهندسة الكهربائية قد تكون أشبه بمحاولة انتحار، ولكن حتى في الهندسة البيئية فإن 8 امتحانات تعني أن تفهم الأمور بشكل سطحي، وهو ما يُطلب منك أن تتعلمه في بداية دراستك، أن تتعلم كيف تدرس؟ والحقيقة أنني لم أتعلم هذا إلا بعد ان سقطت في امتحان الكيمياء في بداية دراستي، ففي المرّة الأولى حاولت أن “افهم” مع إني لم أدرس الكيمياء في الثانوية بتاتًا، فلم ينفع الأمر لأن المُحاضر قدم لنا الكيمياء في 13 مُحاضرة فقط، في المرّة الثانية قررت أن “لا أفهم” حقًا، قررت أن أتعلم كيف يدرس زُملائي، فلجأت إلى الحل السحري بالعودة إلى الامتحانات القديمة، ومُحاولة فك طلاسم المسائل بطُرقي الخاصة والقليل القليل من فهم الكيمياء، فنجحت بالامتحان بعلامة جيدة، والحمد لله، ولكن هل هذا هو النجاح حقًا؟ وهل هذه السلوكيّات تمت للعلم بصلة؟

أشك، ولكنني أيضًا، أشك أنه بإمكاننا أن ننهي دراستنا في جامعات اليوم بدونها!

التكرار يعلّم الحمار

وليت الأمر ينحصر في امتحان الكيمياء فقط، فعندما درست الهندسة التطبيقية في الماكينات، كانت هناك مادة في مجال الفيزياء الميكانيكية، تبحث في القوة والعزوم المؤثرة على أجزاء الماكينات المختلفة أثناء عملها، وهي تحتاج إلى الكثير من الفهم والتمرّن، وكنت أتعجّب من بعض الطلبة كيف ينجحون في الامتحانات مع إنهم لا يفهمون “شيئًا” كما يصرّحون دائمًا، وكانوا يؤكدون لي، أنهم لا يفهمون فعلاً، ولكن عندما يقومون بأخذ أسئلة قديمة وتكرار حلّها مرات كثيرة فإنهم يحفظون طرق الحل، وكلما قاموا بحل مسائل أكثر، يُمكنهم توقّع طريقة الحل الملائمة دُون الحاجة للفهم العميق، اعتمادًا على قاعدة “التكرار يعلّم الحمار”.

أخيرًا، في النهاية يتمكّن أكثر الطلبة من التخرّج، فما أكثر الخريجين، وما أقل “البركة”، فشتّان بيننا وبين عالم مثل ابن سينا، فتّح ذات يوم كتاب “ما وراء الطبيعة” لأرسطو فلم يفهم، فكرر القراءة 40 مرّة، حتى حفظ النص، ولم يكتف لأنه لم يصل إلى مرحلة الفهم، فقصد وراقًا في السوق، ليقع بين يديه كتاب للفارابي يشرح كتاب أرسطو، ففرح به فرحًا عظيمًا، حتى أنه خرج في اليوم الثاني وتبرّع بالمال الكثير، شاكراً لله تعالى، فقط لأنه فهم، وكفاه فخرًا بذلك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

يوسف الشجعي منذ سنتين

موضوع مهم جدا جدا
للأسف هذا ما يحدث في غالب المدارس إن لم تكن كلها ،وهذا ما أعايشه عن نفسي
تكديس وحفظ دون فهم
وأظن أن السبب في ذلك هو أن الغاية أصبحت مجرد النجاح

Nour منذ سنتين

رائع جدا!! انت تمثلني!!

أضف تعليقك