كيف نغرق في الكتب؟ خواطر في نظرية التدفق

16 مايو , 2016

zedni_kahwater

أحيانًا، نجلس للدراسة فنجد أنفسنا غير قادرين على إتمام صفحة دُون النظر إلى الساعة، نتذكر فجأة أننا جوعى، وأحيانًا نقرر أن نأخذ استراحة بعد دقائق قليلة، وننتظر أي فرصة أو “حجة” كي نهرب من الدراسة، ولكن أحيانًا يحصل العكس تمامًا، بالعكس إذا كُنا ندرس مادة نُحبها، لا هي سهلة ولا صعبة، فندرس وندرس ونشعر بمتعة عجيبة، تماماً كما لو كنا انتقلنا إلى “كوكب آخر”!

 

الحقيقة أن هذا الشعور يُباغتنا أحيانًا في الدراسة، ولكنه قد يُباغتنا ونحن نُشاهد لعبة كُرة قدم، وربما يُباغتنا ونحن نقرأ رواية ممتعة حتى نكاد نشعر بالغرق في الكتاب، والاكيد أن هناك من يشعر بذلك وهو يُفكر بالفيزياء والكون والنظريّة النسبية مثل اينشتاين، لأنه لولا ذلك ما أبدع وما قدّم للبشرية ما قدّم!

 

الشعور بأنك في عالم آخر، ليس شيئًا جديدًا، وهو قديم قِدم وجود الإنسان في الأرض، فكُل إنسان لديه لحظات ما في حياته، يفقد فيها الشعور بالوقت، يشعر ولو لحظات بأنه في قمّة السعادة ولعله يرغب بفعل ما يفعل في تلك اللحظة إلى الأبد، كُل هذا يحدث بشكل عفوي جدًا!

 

عالم النفس الهُنغاري Csíkszentmihályi ( يقرا هكذا: تشيك – زينت – مي – هاي) هو من أكثر العلماء تعمقًا في هذه الظاهرة، فقد اضطر هو وعائلته أن يتركوا هنغاريا بعد الحرب العالمية، آثار الحرب والدمار جعلته يتعمق في الفلسفة والدين حتى وصل أخيرًا إلى علم النفس وهو يطرح على نفسه السؤال التالي: كيف يُمكن أن نكون سعداء فيم نقوم به من الأعمال؟

 

قد يبدو السؤال بسيطًا ولكنه يؤكد أنه لا زال منذ 40 عامًا يبحث عن إجابة شافية، خلال هذه الفترة طوّر نظريّة مُدهشة بعد أن قام باستطلاع آراء أكثر من 8000 شخص من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الاهتمامات، من رجال الأعمال إلى متسلقي الجبال حتى رعاة الأغنام ووجد شيئًا مشتركًا بين كُل هؤلاء وهو: التدفق Flow !

 


 

بحسب Csíkszentmihályi  فإن “التدفق” هي حالة من الاستغراق فيما نقوم به من أعمال لدرجة تجعلنا ندخل في “واقع بديل” يجعلنا “ننسى أنفسنا” و”ننسى الوقت” من شدّة تركيزنا فيما نقوم به، الأكيد أن تشخيص هذا الشعور لم يحتاج 40 عامًا من البحث العلمي، فالقضية الأصعب التي شغلت ولا زالت تشغله وغيره من عُلماء النفس هي: كيف يُمكن لنا أن نضع الناس في خانة “التدفق” بشكل “موجّه” وليس “عفوي”؟

 

أحد الأجوبة البسيطة على هذا السؤال يمكن الحصول عليها من رسم توضيحي مُبسط لهذه النظرية يظهر فيه أن الوصول إلى حالة التدفق يتطلب “المهارة” و”التحدي” فكُلما كُنت تقوم بأشياء “مثيرة” جدًا بالنسبة لك، ولديك في الوقت ذاته المهارة اللازمة لإتقانها بحيث تشعر بأنك “مسيطر ع الوضع تمام”  كما يُقال فهناك احتمال ممتاز بأن تصل إلى “التدفق” أكثر، وهناك ستشعر بأنك تفعل شيئًا يستحق أن تفعله مدى الحياة.

 

مُشكلة التدفق أنه لا يستخدم لأغراض ونوايا حسنة فقط، فيُمكن أن يستغل في التسويق والتجارة مثلاً، ألعاب الحاسوب هي أسهل مثال على ذلك، فالكثير من هذا الألعاب مبنى على أساس نظرية التدفق، حيث يحصل “اللاعب” على مهام متعددة بشكل متسلسل وسريع، هذه المهمة مصممة لتكون متوسطة الصعوبة حيث تحتاج لقدر بسيطة من التحدي ولكن الاحتمال كبير بأن يستطيع اللاعب إنجازها، فتكرار الشعور بالنجاح يُدخل الإنسان إلى حالة من “التدفق” و”السعادة” تجعله يصل إلى حالة إدمان ونسيان لنفسه والوقت، وقد يستمر في “اللعب” من الصباح حتى المساء، دُون أن يشعر بضجر ولا ملل!

 

لعلّه من الصعب علينا اليوم أن نتخيّل أنفسنا ندرس مقررًا كاملًا في المدرسة أو الجامعة، ونحن نشعر تمامًا بنفس الشعور الذي يُباغتنا ونحن نجلس إلى حبيب، فنغرق ونغرق فيما نفعل، حتى نُدمن على الكتب والعلم، ولكن في الواقع، فإن هذا ليس مُستحيلاً، ومن يقرأ سيرة الزمشخري فلعل لن يجد الكثير من الكلام عن “التدفق” ونظريّتها المعاصرة، ولكن غرق الزمشخري في طلب العلم وتفضيله العلم على الزواج والكتب على الأبناء يؤكد لنا أنه كان يعيش حالة عميقة من “التدفق” جعلت اسمه خالدًا حتى يومنا هذا، وأشعاره تصلنا ليتغنى به عشّاق العلم من بعده:

 

سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي

مِنْ وَصْلِ غَانِية ٍ وَطيبِ عِنَاقِ

 

وصريرُ أقلامي على صفحائها

أحلى منَ الدَّكاءِ والعشاقِ

 

وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا

نقري لألقي الرَّملَ عن أوراقي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك