لماذا تأخرت بدراستي؟!

27 أكتوبر , 2019

لم يكن تأخري في دراستي بسبب اللغة الألمانية الصعبة أو حتى النظام الألماني الذي لا يرحم.. وإن كانت هذه أمور “شيّبتني” حتى بدأت أتأقلم معها.. إلا أن هناك أمورًا أخرى تخصني، وقد لا يُشاركني فيها الكثير من زُملائي الطلاب أسهمت في تأخري مثل عدم تقبلي لفكرة الحل دُون فهمٍ في كثير من الأحيان أو حتى قرار بالزواج قبل التخرُّج وخوضي لتجربة العمل الحر وغير ذلك من نشاطات كُنت أؤمن أن الحياة الجامعيَّة بدونها.. لا تساوي شيئًا، وهذا كُله سأفصَّله في المدونة التالية.

نظام.. النجاح بلا فهم!

كان السقوط في الامتحانات يجعلني أتأمل الكثير من الأمور من جديد، حيث كان بعض زُملائي الألمان ممن ينجحون بلا مشاكل.. يُخبرونني بأن النجاح شيء والفهم شيء آخر، وكان هذا يُزعجني كثيرًا بصفتي طالبًا سافر و”تغرّب” من أجل العلم، والآن يُطلب منه أن يحفظ طرق حل أسئلة مُشابهة للامتحانات القديمة كي ينجح.. وللعلم فقد كُنت أرفض هذا في البداية وكان هذا سبب سقوطي في الكيمياء حيث كُنت أحاول فهم الأمور وكانت “كثيرة”، إلا أنني وجدت معظم زملائي يدرسون امتحانات قديمة.. وبعد السقوط فقط، فعلت كما يفعلون ونجحت بسهولة، كما نجحت لاحقًا في الكثير من المواد بالطريقة نفسها مع أنني كُنت أرفضها في داخلي، وكُنت أحاول أن أفهم ولو الشيء القليل إلى جانب تعلم مهارات حل الامتحانات.. فعندي مرض يُرافقني منذ الطفولة، وهو أنني أستصعب تعلم شيء لا أجد له معنى أو ليس فيه متعة، وأعتقد أنني رسبت في الكثير من الامتحانات بسبب بحثي عن “المعنى” من وراء بعض الأسئلة والامتحانات التي “لا معنى لها”، وأقول ذلك بلا حرج.. فقد خرجت كي أتعلَّم الهندسة، وليس لتعلم حل الامتحانات! وكُنت أعوِّض هذا الفقر للعلم بالتركيز على محاضرات معيّنة أحبها وأترك أخرى لأنجح فيها دُون فهم ودون أن أعرف شكل المحاضر حتى.. ثم بحضور الفعاليات اللامنهجية ومشاهدة أفلام اليوتيوب التي تتحدث عن مجال تخصصي وزيارة المصانع والمعامل والمتاحف التي لها علاقة بتخصصي!

الزواج مع الدراسة

تأملاتي وسخطي لم ينحصر في النظام التعليمي، بل شعرت بحاجة للتمرد أكثر، بعد أن خيَّبَتِ الجامعة الكثير من آمالي، فقد حان الوقت للتمرد على بعض “القوانين” التي وُضعت لنا كأن “لا زواج قبل التخرج” ورُحنا نطبقها كأنها آية من كتاب مُقدس.. فقررت بعد العام الأول أن أتقدم للخطوبة على الأقل ولم أجد اعتراضًا من أهلي والحمد لله، وبالفعل خطبت، ولم تؤثر الخطوبة في دراستي، بل العكس.. فقد كُنت أسعى للانتهاء من أكبر عدد من المواد قبل أن يحين موعد الزواج ومع انتهاء زوجتي من الماجستير قررنا الزواج وما زال أمامي ثلاثة فصول تقريبًا.. فقررت أن أوقف دراستي بشكل مؤقت بعد الفصل الخامس لمدة فصلٍ كاملٍ (ستة أشهر) قضيته معها في فلسطين بالتحضير للسفر والزواج.. وللعودة إلى البلاد مع المغترب حكايات كثيرة أهمها سؤال الناس: “متى تنتهي من الدراسة؟” وكُنت أجيب كُل مرة إجابة مُختلفة.. فلا أحد في القرية يُمكن أن يتخيل مُعاناتي حقًّا إلا من ذاق طعم الغربة وطلب العلم، فهناك من كان يتطاول ويقول: “شو دعوتك لليوم ببتعلم؟” أو “خلصت دكتوراه؟” وكأن المسألة “سياحة”، المهم أنني لم أكن أتخيل كيف سأوفق بين الدراسة والعمل والزواج بالأخص لأن بعض أهل قريتي كان يُباغتني قائلًا: “مش لو استنيت تتخلص تعليم احسنلك؟”.

المهم أن الزواج لم يكن سهلًا بالأخص في البداية، بسبب موضوع السكن وعدم التوفيق بين الدراسة والعمل وشؤون المنزل، فقبل الزواج لم يكن مُشكلة في أن أقضي كُل وقتي حتى منتصف الليلة في المكتبة، بينما بعد الزواج أصبحت مُحاصرًا – والحمد لله -، هذا الحصار علمني أنني كُنت أرتكب كارثة بحق وقتي.. حيث كُنت أضيع الكثير من الوقت وأنا لا أدري في المكتبة، وصحيح أنني “ضيّعت” فصلًا دراسيًا بعد الزواج، إلا أنني ربحت أمورًا أهم.. منها الاستقرار النفسي ومنها إدارة الوقت بنجاعة، بالأخص لأن وقتي في المكتبة صار مُحددًا حتى السادسة أو السابعة مثلًا، ولهذا كُنت أستغل وقتي بنجاعة تصل إلى 90%، فالجلوس في المكتبة شيء والدراسة والتركيز شيء آخر كما علمني الزواج، وبعد هذا الفصل “الضائع” تمكنت من العودة للدراسة بشكل جيد جدًا..!  

العمل مع الدراسة

ولأن الزواج بلا عمل ليس سهلًا، فكان من حظي أنني كُنت قد وجدت أكثر من فرصة للعمل الحُر.. سواء في إعداد التقارير أو الترجمة أو التصوير، كُل هذه الأمور ساعدتني بلا شك، فالكثير من الطلبة يضطرون للعمل في وظائف يصعب معها تنظيم وقت الدراسة والعمل، وقد جربت العمل في وظائف صعبة مثل العمل في مطبخ أو في مصنع، ولكنني لم أصمد فيها.. هذا عدا العمل في شهادتي السابقة لم يكن سهلًا ولم أوفق فيه في ألمانيا بسبب صعوبة الاعتراف بالشهادة، وعلى كُل فإن انخراطي في العمل الحُر ساعدني كثيرًا، ولأن الحق يُقال.. فحتى العمل الحُر لم يكن مُجديًا من الناحية المادية، وبسبب الاضطرار للتوقف عن العمل خلال فترة الامتحانات مثلًا.. كان لا بُد أن يكون هناك دعم من الأهل عند الحاجة أو صرف المدخرات مثلًا، وهذه المسألة ليست بسيطة – حتى في بلد مثل ألمانيا  – فأسعار إيجار البيوت ترتفع بشكل مستمر وتكاليف التأمين والاتصالات وحتى ضريبة “التلفاز” وعدم إيجاد التوازن المناسب في بعض الفترات لا شك أنه أسهم في تأخري في الدراسة!

المهارات الجانبية

لا شك أن تأخري في الدراسة، لم ينحصر في كُل ما سبق من نقاط فقط.. فهناك من الطلبة من يرضون عن أنفسهم إن حصلوا على أفضل العلامات بينما هم لا يفتحون كتابًا غير كُتب الامتحان ولا يزورون مكانًا إلا للتسلية أو تناول طعام لذيذ و”التسوق”، وعن نفسي لا يُمكنني تحمل هذا النمط، فكثيرًا ما كُنت أقضي أوقاتًا أقرأ فيها عن تاريخ المسلمين في ألمانيا وقد قضيت الكثير من الوقت في رحلات للتعرف على بصمات المسلمين في أوربا وألمانيا كما كُنت أستمتع بتعلم تاريخ المدينة التي أسكنها.. هذا غير اهتماماتي ومطالعاتي الأخرى التي كانت تأخذ مني أوقات دراستي، ولكنها أثْرَتْحياتي بالكثير من العلاقات المميزة والحِكم العظيمة التي لا يُمكن لأي جامعة أن تقدمها لي ببساطة، ولهذا فإن هذه حتى لو كانت على حساب دراستي أحيانًا.. فإنني لا أجد ضيرًا في ذلك، فمن يرى هموم من تخرجوا من الجامعة، سيُدرك لا محالة أن أيام الجامعة كانت نعمة من الله!

ختامًا

ختامًا.. استغرقت دراستي حوالي 11 فصل دراسي، بينما الوقت المفترض 6 فصول وأكتب هذا بلا حرج، بل وأزيد بأنني استغرقت عامًا كاملًا في دراسة اللغة.. فمن قال إنالتأخر يعني التخلف بالضرورة؟ وما المانع أن نتأخر في الدراسة ما دُمنا أنجزنا شيئًا.. صحيح أنني ضد التأخر المُبالغ به، ولكنني ضد “الجنون” الذي نعيشه، حيث يتوجب علينا التخرج بأسرع وقت لنتخرج ونعمل بأسرع وقت ثم نتزوج بأسرع وقت لننجب بأسرع وقت فنربي أطفال ليفعلوا كما فعلنا و”أسرع قليلًا”!.. ولنقف قليلًا ولنتأمل ملايين الخريجين من حولنا، ممن تخرجوا في الوقت.. ماذا كان سيضرهم لو تأخروا فصلًا أو فصلين من أجل القيام بتدريب في شركة أو المشاركة في ندوات تجعلهم أكثرها فقهًا لواقعهم وطالعوا كُتبًا تفتح عيونهم لنهضة بلادهم أو حتى رحلة تكشف لهم عالمًا آخر غير عالم الجامعة والامتحانات؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك