لماذا نسقط في امتحانات الفيزياء؟

20 مايو , 2018

 

لكلمة «فيزياء» وقع خاصٌّ في نفوس الطلبة، يصل إلى حدِّ الرُعب أحيانًا، بل يكفي أحيانًا أن تُخبر زميلًا لك بأنك مُقبل على امتحان في الفيزياء؛ حتى يُشفق عليك، ويُعلن التضامن معك قائلًا: “الله يعينك”، وقد شهدتُ بنفسي توبيخًا مُحترمًا من أحد المُحاضرين الألمان لطلبة السنة الأولى في الهندسة ممن زعموا أن مُحاضراته “مقدمة في الفيزياء” كانت صعبة بل صعبة جدًا أحيانًا.. فاستشاط غضبًا حتى راح يتوعدهم بأن “القادم أصعب” وأن عليهم التفكير مليًا.. إن كانوا يصلحون أصلًا لدراسة الهندسة مع هذا الاستصعاب في فهم مبادئ الفيزياء!

 

وفي كلامه شيء من الصدق، فالهندسة بلا فيزياء لا تكون، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، ولكن الكارثة لا يستوعبها هذا المُحاضر وغيره أن تجريد الفيزياء ومفاهيمها يجعلها أقبح بكثير مما يتخيلون، وأنهم بذلك يُعقدونها ويجعلونها عصيَّة على الفهم، ثم حتى أولئك الذين يجيدون شرحها ويقربونها من الواقع تجدهم ينقلبون على أعقابهم في الامتحانات؛ فتأتي امتحاناتهم وكأنها من الفضاء، لا علاقة لها لا بواقع الطلاب ولا بتخصصهم، كالسؤال عن حسابات السرعة لذرَّة ما.. أو ربما نيزك يرتطم بكوكب…

 

حتى إن كانت الأسئلة من الواقع فتجدهم يتوقعون من الطالب أن يربط في 90 أو 60 دقيقة – مدة الامتحان – بين مفاهيمهم المجردة وشروحاتهم المعقدة وبين الأسئلة “الواقعية”!

 

المُشكلة مع الفيزياء لا تبدأ في الجامعة بالطبع، فعندما نبدأ تعلّم مبادئ فيزياء الحركة والسرعة يكون التركيز على الوحدة المستخدمة في السيارات والمركبة وهي “كيلومتر في الساعة” أو “متر في الثانية”.

 

وفي الواقع فإن الطالب الذي لا يقود المركب بنفسه من الصعب أن يستشعر ويدرك معنى هذه السرعات، بالمقابل فإن كل طفل وكل إنسان يمكن أن يدرك وحدة “متر في الدقيقة” من خلال مُراقبته لسرعة مشيه وسرعة مشي الإنسان بشكل عام هي 4.7 كيلومتر في الساعة، أي حوالي 80 متر في الدقيقة ويمكن أن تصل إلى 100 متر في الدقيقة لو كان المشي سريعًا.

 

بالتالي فإن السؤال عن سرعة وصول الطالب إلى المدرسة يُمكن أن تكون أقرب إلى ذهنه من السؤال عن سرعة وصول سيارة من “س” إلى “ص”، بل يمكن للكثير من الطلبة أن يجيبوا بعد التركيز على هذه المفاهيم ودون اللجوء للمعادلات.. بأنهم يستغرقون 10 دقائق في المشي، وبالتالي فإن الطريق هي 1000 متر وهي 1 كيلومتر.. وهكذا يبدأ تطوير هذه المفاهيم الفيزياء لتستوعب جيدًا، بدلًا من أن تكون مجرد أرقام وخيالات في الذهن وخربشات على الأوراق.

 

 

بعد هضم الوحدات جيدًا، فإن ضرب الأمثلة لا يمكن كذلك أن يكون عشوائيًا، وربما هذه منقصة في “عولمة التعليم” وترجمة الكتب التعليمية بشكل مُباشر دون مراعاة الفروق الثقافية ومن يُطالع في كُتب د. عبدالوهاب المسيري سيجد أن مراعاة الخصوصية الثقافية سواء في قصص الأطفال أو حتى في إجراء البحوث العلمية هي من أهم عوامل نهضة التعليم.

 

وفي الفيزياء، هناك الكثير من الكُتب الأجنبية رائعة ومُلهمة مثل كتاب Halliday Physics وفيه أمثله ورسومات كثيرة، ولكن أكثرها من وحي الحياة الغربية، والطالب العربي يُمكن أن يفهمها بشكل مبدئي، ولكنها تبقى بعيدة عن واقعه، فالطالب الفلسطيني – مثلًا – يُمكن أن يفهم موضوع القذف بزاوية من خلال رمي الحجارة أكثر بكثير من مثال عن لعبة البيسبول التي لم يمارسها يوما، تمامًا كما أن شرح موضوع “مركز الثقل” من خلال رقصة “الدبكة” أنجع من شرحها له من خلال رقصة “الباليه”.

 

ولا شك أن الأمثلة أكثر بكثير من أن تُحصر في مجال، فحتى في مجال “العزل الحراري” فإن إطلاق عنان الطالب العربي في حل حسابات تتعلق بلهيب الحر في الصيف أنجع من ضرب الأمثلة عن الاسكيمو والبرد القارس هناك.. وفي الحسابات الهيدروليكية فإن ضرب الأمثلة عن آليات مكافحة المظاهرة من خلال خراطيم مياه المجاري وقوة الدفع فيها يُمكن أن تشدّه أكثر من الحديث عن نافورة في قصر سانسوسي في ألمانيا..!

 

صحيح أن موضوع الأمثلة مهم بل مهم جدًا، ولكنه ليس كُل المُشكلة، فمنظومة الامتحانات نفسها مضطربة، وفي هذا المضمار لا بُد أن نستحضر مقالة مثيرة للأديب الداعية علي الطنطاوي بعنوان “هذه الامتحانات!”، وهي مقالة قديمة نُشرت عام 1961 – أي قبل حوالي 60 عامًا – ينتقد فيها الامتحانات وكيف يُطلب من الطالب أحيانًا ما لا يطلبه الأستاذ من نفسه.

 

وفي الفيزياء نجد بعض الأساتذة يطلب من الطلبة حفظ عدد من المعادلات غيبًا وهو لا يحفظها رُبما، والطنطاوي يؤكد في المقالة أن الأصل في التعليم هو “تنمية الملكة العامة ومعرفة المراجعة” أي أن تنمية قدرة الطلبة على حل مسائل معينة بالعودة إلى مراجعها الصحيحة بعد زمن، وليس حفظها كي ينساها بعد وقت قصير.

 

يؤكد الطنطاوي على شيء مُثير جدًا يستحق التدبر وهو ما يسميه “الاختبار الحقيقي” والذي يكون من خلال تقييم الطالب من خلال قدرته على حل مُشكلة ما فطالب الاقتصاد يُختبر بقدرته على تحسين الوضع المالي لمصرف ما.. وطالب الحقوق يُختبر بقدرته على إعداد الدفاع عن قضية ما بدلًا من أن يحفظ القانون المدني مثلًا..

 

 

ولو عدنا للفيزياء سنجد أن الطالب الذي اختار أن يدرس الهندسة الميكانيكية أجدر على أن تُختبر قدراته في قدرته على حل مشاكل ميكانيكية..  بدلًا من اختبار قدراته في حفظ كم هائل من المعادلات أو حلها بسرعة خارقة أو حتى سؤاله عن كل ما هبّ ودب من مسائل في كتاب الفيزياء المعتمد.. فمن قال إن طالب الهندسة يجب أن يكون ضليعًا في كل مسائل الفيزياء؟

 

الخلاصة أن الفيزياء يُمكن أن تكون أسهل بكثير مما يُصوّر لنا ونحن جلوس في محاضرة لا نفقه منها شيئًا، ليس لأننا حمقى، ولكن لأن النظام التعليمي كثيرًا ما يكون أحمق.. فنحن أصلًا لم نتحدث عن أخطر ما في التدريس اليوم، وهو أنه يعتمد على التكديس أكثر من التجريب.. وقد يتخرج بعض الطلبة من كليات الهندسة والعلوم والواحد منهم لم يرَ مختبرًا.. ولا يعرف كيف تكون التجربة.. وكل ما يعرفه هو حروف وأشكال عاينها في الكتب.. وشتّان شتّان ما بين النظرية والتطبيق.. وبعد هذا نتساءل: كيف نسقط؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك