لو كان «غوتة» بيننا…!

9 يناير , 2017

من يقرأ في التاريخ الألماني، يعجب كُل العجب من مدى إعجاب القوم بكتابٍ مثل ألف ليلة وليلة، وكيف ساهم هذا الكتاب ببث روحٍ جديدة في أوروبا، كتاب جعلهم يسافرون نحو الشرق بحثًا عن سحره، منهم من بنى المساجد في حدائقه تشبهًا بأهل الشرق، ومنهم من انخرط في دراسة الكُتب العربية كالقرآن الكريم مثل أكبر شعراء الألمان ومفكريهم «غوتة»، الذي اعتبر القرآن  كتاب الكُتب، هذا غير أنه قرأ قصائد امرئ القيس وعنترة بن شداد وطرفة وأبي التمام وتأثر بها بشكلٍ لا يُمكن فهمه في زماننا هذا، فلو كان غوتة بيننا لبكى وهو يتجوّل ويرى ما يُعرض من كُتب عربية في معرض فرانكفورت للكتاب في ألمانيا، وهو أهم معارض الكتب عالميًا!

ليس لأن الكُتب العربية سيئة، ولكن ما يصل منها إلى معرض فرانكفورت سيء جدًا – عادةً – وهذا ليس انطباع من يزور المعرض للمرة الأولى، ولكنها الثالثة، ففي المرّة الأولى عُدت بشيء من الكُتب، ليس لأنها مبهرة جدًا، ولكن لأن بعض دور النشر كانت تريد التخلص منها ومن تكاليف شحنها، وكانت تعطيها لأي زائر، يومها عُدت بثمانية كُتب – كما أذكر – ولكنني لم أقرأ منها في الواقع إلا واحدًا، في زيارتي الثانية عُدت بعدد أقل، ولكن في المرّة الثالثة وجدتني أعود دُون أي كتاب، والنُكتة أن موظفًا يعمل لدى أحد  دور النشر “الحكومية” هُناك، لم أكد  أقترب منه حتى بادرني بالتحية مع ابتسامة عريضة وطلب مني بكل حُب وأدب: ” لو سمحت .. خُذ ما شئت من الكُتب”، تأملت في كُل ما عنده .. ولكنني لم أجد أي كتاب يُثير الدهشة!

لعشّاق الكُتب التي تمتدح الحُكام العرب، هناك وفرة في الكُتب وكلها مجانية، وتحصل عليها مع ابتسامة عريضة، أما الكُتب التي قد تثير الاهتمام حقًا، وهي ليست قليلة في المكتبة العربية، فتكاد تكون نادرة في المعرض، والأندر من ذلك أن تجد كتابًا يُدهشك ولكنه “مغلف مغلق”، فتتوجه للموظفة المسؤولة فتسألها: “لماذا الكُتب مغلفة ومغلقة؟ ” فتكتشف أنها لا تجيد العربية وأنها مُجرد فتاة ألمانية لا تعرف عن فحوى الكُتب شيئًا، وكُل ما تعرفه أن هناك “أوامر عليا” بعدم فتح الغلاف، ولكنها تبتسم لك وتنصح بأن تسجّل اسم الكتاب لتبحث عنه بنفسك لاحقًا في الإنترنت…!

الصدمة كُل الصدمة، لا يعيشها إلا من يُتقن الألمانية، ويتجوّل في معارض الكُتب الألمانية بشكل خاصّ، حيث التصاميم المُبهرة والإبداع في التأليف والتنوع العجيب، والحقيقة أنني لا أزور المعرض طلبًا للكتب العربية، ولكن طمعًا بتأمل حُب الألمان للكتب، حيث لا ينحصر التأليف في باب من الأبواب ولا فن من الفنون، فالمعرض يجمع أهل الفكر والفلسفة ويجمع أهل الطبخ والرسوم المتحركة، ولكل كُتبه وعالمه، وليس من رأى كمن سمع .. هذه الأجواء تستحق زيارة!

أما من يبحث عن الكُتب العربية، وقصد معرض فرانكفورت لذلك… فقد ضلّ الطريق، ولعل الأفضل بأن يوفّر على نفسه تكاليف السفر وتذكرة الدخول، وأنا متأكدٌ أن الاحتمال بأن يجد ضالته في متاجر الكُتب العربية على الإنترنت أكبر بكثير من أن يجدها في فرانكفورت، وبالتالي فإن صالات عرض الكُتب العربية لا تستحق أي زيارة، ولعله من الأفضل أن لا تكون هذه الصالات مستقبلًا!

لنتخيّل فقط، لو كان غوتة بيننا، وقصد معرض فرانكفورت للكتاب باحثًا عن ديوان من الشعر العربي الأصيل هناك ثم لم يجد إلا دواوين مدح الحكام؟ ماذا سيقول فينا؟ ثم ماذا لو طلب شيئًا من كُتب الفكر والفلسفة ولم يجد إلا كُتبًا حول الديمقراطية المزعومة ودراسات لا علاقة لها بالواقع؟  ألن يشعر بالخيبة؟ بل سيشعر ويبكي على حال أمة كتاب الكتب.. أمة اقرأ!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك