«متى تنتهي من دراستك..؟»

11 يوليو , 2016

سواء شئنا أم أبينا، فنحن ننتمي إلى فئة الشُعوب التي تستمتع جدًا بالتدخل في تفاصيل الآخر، فكُلنا نفعل ذلك بوعي أو دُون وعي. والأنكى من هذا هو أننا لا نسأل غالبًا عن الحال وإنما عن النهاية، فلا نقول:«كيف الدراسة؟» بل «متى تنتهي؟» وفوق هذا تجد البعض يُعاتبك قائلاً «ولو .. حتى الآن لم تنتهي؟ شد حالك يا رجل!» وكأنك تعبث في أروقة الجامعة بينما هو يُساهم في صناعة مراكب فضائية للأجيال القادمة!
في أول مرّة عُدت فيها من ألمانيا، لم يكن قد مضى على بدء دراستي للغة الألمانية أكثر من شهر ونصف وعلى سفري كُله 3 أشهر، وهناك وجدتُ الناس كالعادة يسألونني «خلّصت اللغة؟» ولم يكن ذلك مُستفزًا بقدر ما كان مُضحكًا حيث بالكاد كُنت اُجيد بضعة جُمل! وهؤلاء يسألونني إذا ما كُنت قد انتهيت! ولكن أكثرهم استفزازًا كان رجلًا تنبأ بسقوطي لأنني لم أنته حتى الآن!
مُشكلة هذه الأسئلة أنها لا تنتهي، وتُشعرنا دائمًا بأننا في حالة «تخلّف» أو «تأخر» وتُشعرنا بضرورة الانتهاء من الدراسة بأي شكل ممكن وكأننا فعلاً نُمارس الخطيئة، مع أننا لا نفعل إلا «خيرًا» ولا شك أن حياة الطالب الجامعي الذي يعيش العلوم كُل يوم ويرتقي بنفسه كُل يوم، أرقى بكثير من حياة أي موظف يستيقظ كُل يوم وهو كاره لنفسه وللعالم، وبلا شك هي أفضل بكثير من حياة طالب عاطل عن العمل، وما أكثرهم في بلادنا العربيّة، فلماذا العجلة والجُنون…؟
لا شك أنها «طبيعة البشر» وليست مُشكلة عربيّة حصرية، مع أنها قد تكون أكثر حدّة في بلادنا ولكنها موجودة في ألمانيا حيث تجد الكثير من الطلبة يُعانون من ضغوطات نفسيّة شديدة، وقد يُعاني بعضهم من الاكتئاب لأنه يُريد الانتهاء من الدراسة بأسرع وقت ممكن، علمًا بأن المواد المطلوبة منه أكثر من قُدرته أو طاقته، ولكنه لا يُريد أن يُقال عنه متأخر أو لعله يكون متحمسًا لبدء مرحلة جديدة في حياته، فيعيش حياته الجامعية وكأنه «ماكينة».
وليس غريبًا أبداً أن ترى وأنت تتجول في جامعة ألمانية إعلانًا لورشة متخصصة في مكافحة الضغط النفسي، مع أن الحل يكمُن في كثير من الأحيان كما يقول الألمان في فكرة بسيطة هو أنك «لست بحاجة لإثبات نفسك لأي إنسان» وبالتالي عليك ألا تضغط نفسك بأكثر مما تستطيع إنجازه، لأن دراستك هي لك وحدك، ولست بحاجة لأن تُخضع نفسك لمُسائلة أي إنسان، ليُحدد لك وتيرة سير دراستك، وكما نقول في لهجتنا المحليّة: «ما حدا له عليك شيء»!
طبعًا ليس هناك أسهل من هذا الكلام نظريًا، سواء كُنا عربًا أم ألمانًا، فالألماني يُخضع نفسه لمنظومة «المُجتمع الاستهلاكي» فهو يرغب بالحصول على سيارة فخمة وبيت فخم وحياة مُحترمة بعيدًا عن حياة «الفقر» كطالب، وبالتالي يرغب بفرصة عمل مميزة قبل فوات الآوان، حيث يُشاع بين الطلبة أن الشركات لا تقبل كبّار السن أو من يتأخرون في دراستهم، والأنكى أن دراسة الهندسة في ألمانيا مثلا تستغرق 3 أعوام فقط، فتجد البعض يُسابق ويتنافس كي ينتهي من الدراسة في عامين ونصف فقط، وهناك من ينجح في الحصول على ماجستير في 4 سنوات ونصف، وهي مهمة ليست سهلة ولكن «الضغط» يفعل الكثير!
أما نحن كعرب، فنحن كالعادة مُستعجلون على النهايات، وكأننا لا نُريد من الحاضر شيئًا إلا أن ينتهي فما أن ينتهي الطالب من الجامعة، حتى نُفزعه ونحن نسأل متى سيبدأ العمل وكأن فرص العمل تنتظره على أحر من الجمر! ثم ما إن يعثر على عمل حتى نُقلق مناماته ونحن نسأل عن العروس وتحديد موعد الزواج ويوم العُرس أحيانًا! وتجدنا كذلك نسأل عن اسم الصبي الأول، وحتى مع ولادته تجدنا ندعو للوالد بفرحته بعُرس الرضيع، ثم نُفاجأ في آخر العُمر أن الحياة مرّت بسرعة وأننا لم نعشها كما اردنا .. لأننا عشناها كما أراد لنا غيرنا!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك