مساقات وورشات غير إجبارية.. غيَّرت نظرتي للأبحاث والعلوم!

1 سبتمبر , 2018

دعوني أعترف أنني كُنت مثلي مثل الكثير من الطلبة الذين تصلهم رسائل حول المساقات الاختيارية التي تُرسلها الجامعة، فأقول لنفسي: ليس عندي وقت لمساقاتي الإجباريّة، فكيف بالاختيارية؟ ثم انقر على حذف وهكذا، حتى أنهيت السنة الأولى، ولاحظت أنني سقطت في عدد لا بأس به من المساقات، ولاحظت أن وقت دراستي سيطول.. فقلتُ لنفسي أنه لا بُد من الخروج من الجامعة بما هو أكثر من مُجرد لقب جامعي.. وكانت المفاجأة السارة أنني بدأت أتعلم أمورًا غيرت نظرتي للأبحاث والعلوم والدراسة، مع أنها لم تستغرق من وقتي إلا الشيء البسيط!

ورشة: تنظيم الدراسة وإدارة الوقت

في المكتبة كُنت ألاحظ أن الطلبة الألمان يتركون المكتبة بعد الخامسة أو السابعة مساءً، بينما نحن ندرس حتى آخر الليل، ومع الوقت بدأ يتضح لي أن الجلوس في المكتبة شيء والدراسة النافعة شيء آخر تمامًا، ولهذا قررتُ الالتحاق بهذه الورشة الاختيارية التي تقدمها الجامعة، مجانًا طبعًا، وهي ورشة عبارة عن ثلاثة لقاءات مع مستشارة نفسية ومتخصصة في مجال إدارة الوقت، وكلمة السر هنا كلمة ورشة لأن المسألة لم تكن مُجرد جلوس على كرسي والإصغاء لشخص يُلقي كلامًا نظريًا يحفظه عن إدارة الوقت.. بل كان يجب على كُل طالب فينا أن يجلس ويصغي ويتحدث ويناقش ما يقوله البقية، وكان عدد المسجلين محدودًا.. وكانوا من الطلبة الألمان وغيرهم وهذه ميزة أخرى، لأننا كُنا نتعلم من مشاكلنا بعضنا من بعض.. فكُل شخص تتأثر مشاكله بخلفيته الثقافية والحضارية

ماذا تعلمنا بالفعل؟ تعلمنا الكثير.. ولكن الشيء الحقيقي الذي استفدت منه، أن برودة الألمان تساعدهم جدًا في إدارة الوقت، فليس عندهم مُشكلة في قول لا لأي شيء يمكن أن يضر بخططهم، بينما نحن نستصعب ذلك فنقول نعم حتى لو كان في داخلنا لا، ولكن بالتأكيد فحتى الألمان ليسوا خارقين كما نتخيل.. ولديهم مشاكل في إدارة أوقاتهم!

شيء آخر مهم تعلمته أن الدراسة لأي امتحان لا تعني أن تغلق على نفسك الباب ولا تفكر بشيء إلا بهذا الامتحان، بل العكس تمامًا فقد تعلمنا طريقة تنظيم للوقت.. تُمكننا من أخذ استراحة تصل إلى ساعتين تقريبًا بين كل ست ساعات دراسية تتخللها استراحات قصيرة أيضًا.. وهذه كافية كي تجعل الطالب منّا يعيش حياته الدراسية دُون أن يشعر بأن فترة الامتحانات ليست فترة حبس منزلي، بل فترة تتطلب مهارات خاصة في إدارة الوقت.. وبحكمة!

لماذا يجب أن ترتاح من الدّراسة؟ نظريّة إيطاليّة!

مساق: البحث عن مواد علمية Literaturrecherche

هذا المساق من المساقات المميزة والمختصرة جدًا التي لا يتلفت إليها الطلبة غالبًا، وهي لا تستغرق من وقت الطالب إلا حوالي ساعتين في لقاء واحد فقط، وفي هذا الوقت جلسنا مجموعة من الطلبة مع باحث من الجامعة وراح يُغدق علينا بما لديه من خبرات في البحث عن مصادر ومعلومات لأبحاثه، كي نستفيد من ذلك في المشاريع الجامعية وما بعد الجامعة أيضًا.

وقد يقول قائل: ماذا يُمكن لساعتين أن تفعل؟ والحقيقة أن الإجابة تكمن في حكمة صينية عجيبة تقول:

 حوار واحد مع حكيم خيرٌ من دراسة 10 سنوات

ومن تذوق شيئًا من هذه الحكمة، يُدرك جيدًا أن الجلوس على الإنترنت والبحث عن مواقع جيدة للعثور على أوراق بحثية أو مصادر علمية أخرى يُمكن أن يمنح الواحد فينا الكثير من المراجع والأفكار، ولكن في الواقع فإن هذه المعلومات سيكون أثرها في نفوسنا أوقع لو سمعناها من خبير نعرفه ونعرف شيئًا من إنجازاته.

من أهم الأمور التي تعلمتها، أن هناك فرقًا بين باحث وباحث، الباحث في مراحل متفرقة قد لا يكون لديه وقت للكثير من النتائج التي لا تجعله يتقدم، وبالتالي فإن هؤلاء يضطرون للاستفادة من مواقع متخصصة جدًا مثل WTI-Frankfurt وهي عبارة عن قواعد بيانات ضخمة فيها أبحاث ومجلات مختلفة، ولكنها منظمة بطريقة تمكن الشخص من الوصول لأفضل النتائج بأقصر وقت ممكن، وهذه يكون استخدامها مقابل مبلغ مادي.. توفره الجامعات غالبًا.

كيف تكتب بحثا علميًّا سيِّئًا؟ 5 أخطاء فاحشة يرتكبها الباحثون العرب

أما الطريقة التي يُحبها الطلبة فهي استخدام مواقع مثل Google Scholar وMicrosoft Academic ولعل أهم وأخطر معلومة تمت الإشارة إليها في هذه الورشة هي أن هناك موقع يتيح لأي شخص في أي مكان في العالم.. بالوصول لملايين الأبحاث مجانًا، ولكن ولأسباب قانونية لم يُخبرنا باسم هذا الموقع.. ولكنه كان يقصد ساي هب (بالإنجليزية: Sci-Hub)!

مساق: برنامج إدارة المراجع (Citavi )

مع أنني ذهبت لهذا المساق باختياري، إلا أنني كُنت شبه مُجبر، ففي أحد المشاريع الجامعية قال لي الباحث المسؤول، لا يُمكن أن أقبل منك البحث إلا إذا كُنت تعمل بمُساعدة برنامج Citavi لإدارة المصادر، ولأنه كان شخصًا ذكيًا وكُنت أشعر أنني أستفيد منه في كُل جلسة، ثم إنه كان يُفكر في أن يحصل على كُل ما قُمت به على شكل ملف مُنظم.. ولا يُريد أن يحصل على مُجرد ملفات، وكان يشعرني بأن هذا البرنامج هو المنقذ الذي سيُسهل علي كُل بحث في حياتي وفي عملي المستقبلي!

لهذا حملت نفسي وبدأت أتعلم استخدام هذا البرنامج بشكل ممتاز، على اليوتيوب وجدت مساقًا جيدًا، ولكنني وجدت مساقًا يُنظم في المكتبة الجامعية، ولن يستغرق الكثير من وقتي، وبصراحة فإن أفضل ما في هذا المساق، ليست الشهادة التي نحصل عليها في نهاية المساق ولا حتى الكراسة المميزة التي تحتوي على تلخيص مميز، ولكن أن يأتي شخص متخصص في مجال إدارة المراجع العلمية فيُلقي عليك تجربته في ساعتين تقريبًا!

ماذا تعلمت منه؟ يجب أن أعترف أنني لم أكن أعرف شيئًا عن ملفات الاقتباس التي كُنت أراها كلما دخلت المواقع العلمية، بل لم أكن أتخيل أن هذه الملفات ستسهل علي كُل عملية كتابة المراجع في نهاية البحث، كُنت أتخيل أن كل ذلك يجب أن أفعله بنفسي.. ولم أكن أعرف شيئًا عن برامج أخرى مثل EndNote وأساليب الاقتباس المختلفة مثل ISO 690 وفوائد معرفة الوثيقة الرقمية DOI وأمور أخرى كثيرة مثل إدارة مهام البحث من خلال هذه البرامج أو حتى وجود إمكانية لحفظ أهم الاقتباسات والصور من أبحاث معينة والعودة إليها بسرعة مذهلة، بفضل إمكانية فهرسة المراجع.. عمومًا هذا المساق، علمني أكثر بكثير مما تخيلت!

مساق الكتابة العلمية Wissenschaftliches Schreibe

في الكثير من التخصصات الجامعية، يُجبر الطلبة على حضور مساق في البحث العلمي والكتابة العلمي، وفي التخصصات الهندسية لم يكُن عندنا هذا الإجبار، ولكن الجامعة كانت تُقدم للطلبة مساقًا مكثفًا في الكتابة العلمية للمهندسين، وهو عبارة عن أربعة لقاءات، كل لقاء 3 ساعات تقريبًا، نتعلم فيها بعض المواد النظرية حول الكتابة، ثم نحاول تطبيقها ونناقشها، كما كان هناك واجبات منزلية بأن نكتب نصوصًا، تفحص إن كُنا استوعبنا الدروس فعلًا!

صحيح أننا حصلنا خلال المساق على الكثير من المواد النظريّة، ولكن هناك معلومات لا يُمكن أن نستوعبها جيدًا دُون أن نسمعها ونتفاعل معها ونناقشها، فأساليب الاقتباس يُمكن أن نعثر عليها مشروحة في كل مكان، ولكن شتّان شتّان بين أن نقرأها وأن نرى عيون من يُحذرنا من الاقتباس المباشر وعواقب السرقات العلمية الوخيمة، لو اقتبسنا دُون ذكر المصدر..

كما أنه مهم جدًا أن نرى شخصًا خبيرًا في الكتابة العلمية يقول لنا: الكتابات العلمية ليست روايات.. وبالتالي لست بحاجة لأن تقرأها من الجلدة للجلدة أو تجده يوبخ من يستخدم موقع الويكبيديا مصدرًا علميًّا.. هذا غير حكاياته عن تجاربه مع الطلبة الذين ينتظرون حتى اللحظة الأخيرة لتسليم أبحاثهم والورطات التي يقعون فيها.. وهذه كُلها تُشعل ضوءًا أحمر في ذهنك، أكثر بكثير من الكلمات التي يُمكن أن تقرأها على الإنترنت“!

من خلال هذا المساق عَرَفتُ خدمة عظيمة هي خدمة استشارات الكتابة Schreibberatung”، لم أكن أتخيّل وجودها في الجامعة، وهي وجود مُستشارين في الكتابة العلمية في الجامعة، يمكن أن يحجز أي طالب موعدًا معهم، ليجلس ويناقش ما كتب من وجهة نظرة كاتب علمي، هل الأفكار دقيقة؟ هل هناك أخطاء في الاقتباس؟ هل العناوين جيدة؟ هل الفهرس قوي؟ هل طول الفقرات جيد؟ بالإضافة إلى التنبيه على الأخطاء اللغوية وهذا مهم جدًا بالأخص للطلبة الأجانب   والأهم أن كل هذا يتم نقاشه بشكل شخصي وبجلسة قد تستمر لساعة أو ساعتين بشكل احترافي جدًا، والمهم أن الجامعة تتولى كُل تكاليفها ولا يدفع الطالب أي سِنت مقابل ذلك، والنكتة أن نسبة ضخمة من الطلبة لا تستعين بها!

ختامًا..

هذه المساقات والورشات ليست إلا عينة من عشرات المساقات التي تقدمها الجامعات والمؤسسات المجتمعية من حولنا، والكثير من الناس لا يُبالون بها ويعتبرونها مُجرد ترف فكري أو مضيعة للوقت، وعندما أتأملها فإنها لم تستغرق مني خلال السنوات الماضية إلا بضعة ساعات قليلة، بينما استفدت منها استفادة جمّة، ليس للجامعة فقط، ولكن لحياتي العملية والمهنية أيضًا!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

אמיר אגבאריה منذ شهر واحد

مقال في غاية الاهمية، وبحق انه هادف وواقعي لمجتمعنا

أضف تعليقك