“مُحاضرين غير”.. هم أستاذة لا يُمكن نسيانهم ببساطة!

24 يوليو , 2018

قبل أن أبدأ دراستي في ألمانيا، كُنت أتخيَّل أن الجامعات الألمانية لا يُمكن أن توظف إلا محاضرًا مميزًا.. ولم أكن أتخيَّل مثلًا أن أجد نفسي في محاضرة نضطر فيها للانتظار كي يأتي المزيد من الطلبة.. لأننا لم نكن إلا 15 من أصل 150.. ولم أتخيل أن أجد نفسي في محاضرة يُسمِّع فيه المحاضرة للطلبة وهم يكتبون كما “الصف الأول” وغير ذلك من مُحاضرين لا يفقهون شيئًا في فن الإلقاء والمحاضرة.. وهؤلاء معشر “الروبوتات” ليسوا قلة، ولكن ولحسن الحظ أنني وجدت ثلَّة جعلتني أشعر بقيمة العلم والعلماء لبراعتهم وتميّزهم.. وقد ارتأيت أن أكتب عنهم هذه الكلمات، لأنهم يستحقونها بجدارة!

 

البارع.. في العملي والنظري

ما أكثر المحاضرين الذين ما إن ندخل مُحاضراتهم، حتى نشعر وكأننا أمام روبوت ناطق، والحقيقة أن أولئك الذين يُبهروننا مُنذ اللحظة الأولى هم قلِّة، بالأخص أولئك الذين يبهروننا بشرحهم المُبسط للنظريات وبحكاياتهم المميزة من وحي حياتهم العملية على أرض الواقع.. فما أكثر المحاضرين الذين كُنت أشعرهم أنهم لا يفقهون شيئًا إلا البحث في الكتب والمراجع وإجراء التجارب في المختبرات.. بعيدًا عن “الواقع”، أما ذلك الأستاذ فكان مُلهمًا جدًا لكثرة حكاياتهم عن تجاربه العملية وربطها بالمحاضرة، وكُنت أستمتع في مُحاضرته بشدَّة.. ولحسن حظي أنه درسني أربعة مواد، ولحسن حظي أن هذه المادة كانت من أحب المواد إلى نفسي وهي “إعادة التدوير”.

 

تعلم الهندسة.. في مدرسة الطبيعة!

 

كم كُنت أستمتع كلما فتحت مجلّة متخصصة فوجدت اسم أستاذي هناك، كما شاهدته ذات يوم في فيلم وثائقي، وهو يتأمل كومة نفايات ويتحدث كيف يُمكن لنا تحويلها إلى مواد خام جديدة.. ولعل سر تميّز هذا المحاضر، أنه لم يَقْنَع بالعمل الأكاديمي البحت، وأقام شركة “استشارات هندسية” تقدم خدماتها في أنحاء ألمانيا.. بل الأجمل أنه لم يقنع بأن لم يضع نفسه في “برج عاجي” باعتباره “بروفيسور” مشهور، ففي مشروع تخرجي سافرت معه إلى إحدى معامل السماد كي نأخذ عينات، وكنت أتوقع أن يُشير إلي بالمواضع مثلًا.. وآخذ العينات، فوجدته يحمل العُدَّة ويبدأ بالعمل معي.. وقد تعلمت منه في ذلك اليوم، ما لا يُمكن أن أتعلمه لو جلستُ على مقاعد الدراسة لسنوات إضافية!

 

 

فنان.. تبسيط العلوم!

بعض المُحاضرين لا تحلو له الحياة إلا إذا عقَّد مُحاضراته، ورأى وجوه طلابه شاحبة بعد المحاضرة.. لا أدري هل هو مرض أم ماذا؟ وفي الواقع فإن “تبسيط العلوم” فن وسحر لا يُجيده أي إنسان بسهولة، ولو كان بروفيسورًا أو حتى مُخترعًا.. وهذا آينشتاين يقول:

“إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل عمره 6 أعوام فأنت نفسك لم تفهمها بعد!”

 

فلو طبقنا كلامه سنجد أن أكثر المحاضرين لا يفهمون عمَّا يتحدثون عنه أمام الطلبة.

 

خلال دراستي في أحد المساقات المُعقدة نسبيًا وهو “هندسة العمليات” الذي يُعنى بدمج علوم الكيمياء والفيزياء بالتطبيقات الهندسية المختلفة، وجدت نموذجًا بارعًا في تبسيط العلوم وربطها بالواقع الذي من حولنا نحن الطلبة؛ فمثلًا حينما كان يشرح لنا مصطلح مثل “الانثالبي” كان يُحدثنا عن شعورنا بالماء الساخن عند الاستحمام، وعندما كان يشرح لنا موضوع “الاستخلاص” كان يشرح الأمر من خلال تحضير كوب من القهوة وهي مسألة ليست مفهومة ضمنًا.. كما أنني لا زلت أذكر كيف شرح لنا موضوع تحليل بعدي Dimensional analysis من خلال حديثه عن كيفية تصوير مشهد سقوط قطار من جسر لفيلم سينمائي بدل من استخدام قطار حقيقي.. أو حتى شرحه كيف يُمكن لنا أن نحسب الوقت اللازم لاستواء اللحم في ظروف معينة في حفلة شواء قادمة باستخدام عينة صغيرة من اللحم بدلًا من شواء اللحم بالفعل وحساب الوقت.

 

هندسة الشاي والقهوة… أن تسقط فيما تحب!

 

كُل هذا غير أن كُل محاضرة من المحاضرات كانت تحتوي على فقرة “مثال عملي” فتارة يحدثنا عن مصانع إنتاج السُّكر في ألمانيا وتارة عن مصانع تحلية مياه البحر في مالطة، وقد كان مُحاضرته مميزة بالفعل.. وقد جذبني إلى موضوعه مع أنني سقطت في امتحانه أول مرة، إلا أنني لم أنزعج كثيرًا.. لأن التعلم عند مثل هذا المحاضر، لا يمكن أن يكون مضيعة للوقت، وقد قررت بعد أن أنهيت المساق أن أقوم بأحد المشروعات المطلوبة مني للدراسة في القسم الذي يرأسه.. وكان العمل ممتعًا جدًا جدًا.. لدرجة أنه أخذ مني وقتًا أطول بكثير من الوقت الافتراضي.. ولكن المهم أنني كُنت مستمعًا وتعلمت الكثير!

 

الناقد الفذ.. و”الكوميديا العلمية”!

لم أشهد في حياتي محاضرة جامعيَّة كان الطلاب يضحكون ويقهقهون ويتفاعلون كما كانوا يفعلون في مُحاضرة ذلك “الناقد الفذ” الذي كان يُدرس لنا موضوع “الإدارة البيئية”، وهي مُحاضرة قد تكون مملة فعلًا لو قام بتدريسها أي شخص تقليدي حتى لو كان يحمل أرقى الدرجات العلمية.. ولكن ذلك “الدكتور” كان عبقريًا في نقد المنظومة الحالية وكثيرًا ما كان ينتقد بشكل كوميدي ساخر بعد أن يغرقنا بأسئلة باهرة لم نفكر بها من قبل، في أشياء نراها ونعيشها بشكل يومي!

 

نحن ننظر مثلًا للاتحاد الأوروبي على أنه شيء جميل، ولديه الكثير من المبادرات والقوانين لدعم البيئة ولكن ذلك الأستاذ كان يرى أن هناك الكثير من “الحُمق” في حُبهم للبيئة.. فكان يُعلمنا عن قوانين مثل “قانون القثاء الأعوج” ثم يُشير إلى مجموعة قوانين أخرى تدخل في تفاصيل أخرى تُسهم في زيادة نفايات الطعام، وكان يعلمنا كيفية التحايل على هذه القوانين بمبادرات أذكى منها، وهذا ليس إلا غيض من فيض الأفكار التي من الصعب أن يلتفت إليها طالب في بداية حياته، ولا يُمكن أن أنسى كيف كان ينتقد غرور أولئك “الغربيين” الذين يُسافرون للشرق و”الدول النامية” كي ينقُلوا إليها التجربة الغربية، وهو يزعم أن هذا “الحمق” بعينه، فنظام فصل النفايات الذي يُطبق في برلين لا يُمكن أن يصلح للقاهرة.. وأن هذا النظام مصيره الفشل؛ لأنه لم يراعي الاختلافات الاقتصادية والثقافية الموجودة.. وهو يشرح لنا أنه لا بُد لنا من مراعاة ظروف كُل بلد عند تطوير منظومة بيئية معينة.

 

10 أمور تمنيت لو عرفتها قبل دخولي الجامعة!

 

يجب أن أعترف أن هذا المُحاضر كان من أكثر الشخصيات التي أثرت في نفسي.. وكنت أدرس محاضراتهم بنهم شديد.. علمًا بأن بعض الطلبة كانوا يتركونها لآخر يوم لسبب سخيف وهو “الامتحان سيكون سهلًا” ولكنني كُنت أرى أن هذه المادة، هي أنفع المواد لي ولكل من يُحاول أن يفهم أسرار فشل الكثير من المشاريع البيئية حول العالم وأسرار تفاقم الأزمات البيئية رغم كُل التقدم العلمي.. ولهذا حينما أفكر بالتخصص في دراستي.. أفكر بهذا المحاضر وبهذا التخصص “الخطير”!

 

بالمناسبة.. هذا المُحاضر علمني أيضًا أن اللقب ليس كُل شيء، لأنه كان أفضل بكثير ممن يحملون لقب “بروف” أمام أسمائهم!

 

ختامًا..

لا شك أن هناك أساتذة مميزين آخرين غير هؤلاء، ولكن التجربة علمتني أن المُحاضر المميز هو عملة مميزة حتى في جامعة من جامعات النُخبة الألمانية، فما أكثر المحاضرين المملين! وما زلت أتذكر كيف أن بعض المُحاضرات شبه “خالية” لأن المحاضر لم يكن لديه أي مقوم من مقومات المحاضر الناجح.. وهؤلاء كانت محاضراتهم “شبه خالية” وكان الكثير يعتبرونها “مضيعة وقت” وفي ذلك الكثير من الحقيقة!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك