هل النظام الجامعي الألماني ظالم؟

23 أكتوبر , 2016

ليس من السهل علينا كعرب أن نجد من يكتب حول مُشكلات المجتمع الألماني، ولا حتى مُشكلات النظام الجامعي الألماني، بل إن تجربة نقد هكذا نظام يُمكن أن تُسبب للكاتب وابلًا من الشتائم، فالقارئ يُفضّل ويستمتع بقراءة مقالات مُبهرة حول الرقي الألماني، ولكن الذي يُجيد الألمانية ويفتح مكتبة الوثائقيات في موقع التلفزيون الألماني ويبحث عن فيلم حول الدراسة في ألمانيا فلن يجد المدح الذي يجده في المواقع العربية فقط، ولكنه سيجد أيضًا وثائقيًا مثل: ( وهم تساوي الفرص Die Illusion der Chancengleichheit) الذي يكشف وينتقد مُشكلات النظام الجامعي الألماني.

بحسب الفيلم، فإن أصل المشكلة يعود إلى نظام “Bologna-Reformen” الذي جعل وقت دراسة البكالوريوس في الجامعات الألمانية أقصر بكثير مما كان عليه، حيث كان الطالب في الماضي يقضي 5 سنوات على الأقل قبل أن يخرج لسوق العمل وبعد ضغط من الشركات التي أرادت أن يكون المهندسون فيها أصغر سنّا، أصبح بإمكان الطالب أن يكون مهندسًا في 6 فصول دراسية فقط، أي ثلاثة أعوام.

أكثر من طالب أكدوا للفيلم، أنه من الصعب جدًا العمل أثناء الدراسة بالأخص لأن البرنامج الدراسي يكون مكتظًا جدًا، حيث على الطالب أن ينتهي في كل فصل من 30 نقطة من أصل 180، وبالتالي فإن عدد الامتحانات التي يتوجب عليه اجتيازها كل فصل هي كثيرة وغير منصفة ولا تخدم العلم، فكيف إذا كان الطالب مضطرًا للعمل؟ الأكيد أن حياته لن تكون سهلة، وهذا يجعلنا نفهم لماذا يترك حوالي 30% من الطلبة الجامعات قبل التخرج.

في ألمانيا، ليس على الطالب أن يدفع إلا رسوم رمزية للجامعة، إلا أن تكاليف المعيشة تقدر بـ 800 يورو، ما يعني أن الدراسة ستكلف 32500 يورو، وهو ما لا يستطيع الكثير من الأهل احتماله، كما أن المساعدة التي تقدمها الحكومة كقروض وتسمى “بافوغ” لا تفي كثيرًا بالغرض لأنها لا تقدم إلا لفترة محدودة، وبالتالي تظهر المُشكلة الأساسية التي يعالجها الفيلم وهي “وهم تساوي الفرص”، حيث تؤكد الإحصائيات أن 77% من الطلاب هم من أبناء الأكاديميين و 23 % فقط هم من أبناء الطبقة العاملة، لذلك توجد اليوم في برلين مؤسسة مثل “أبناء العمال” التي تهدف إلى رفع الوعي فيما يخص التعليم الجامعي بين أبناء طبقة العمال في ألمانيا.

إحدى المشاكل التي يتجلى فيها عدم تكافؤ الفرص تكمن في المصطلح اللاتيني ” نوميروسكلاوسوسNumerus clausus” والذي يعني “العدد محدود” ويُشار به إلى التخصصات التي يكون فيها القبول مشروطًا، مثل الطب والمحاماة وعلم النفس، حيث يُطلب ممن يرغب بدراسة الطب علامة قبول من 1.0 إلى 1.3 ( أكثر 95% )، وهي علامات ليس من السهل الحصول عليها في الثانوية إلا إذا كان الطالب ذكيًا جدًا أو كان يحظى بدروس خصوصية طيلة المرحلة الثانوية وهو أمر شائع جدًا في ألمانيا كما يؤكد الفيلم، ولكن المشكلة أن العائلات الغنية فقط هي من تستطيع إرسال أبنائها لهذه الدروس، وبالتالي فإن حظوظ الفقراء في مقاعد دراسة مواضيع مثل الطب هي أقل بكثير من الأغنياء!

إحدى أخطر المُشكلات التي نجمت عن هذا النظام، هي أن الغني الذي لم يحصل على مقعد طب – على سبيل المثال –بسبب علاماته فإن بإمكانه أن يدرس حتى داخل ألمانيا إذا كان مستعدًا لدفع المال الكافي كي يدفعه لمحامي يرفع قضية ضد الجامعة وهو ما يُعرف بـ: Studienplatzklage أي «قضية مقعد دراسي »، والتي تبلغ تكاليفها حوالي 15000 يورو، وهناك حالات كثيرة لطلاب رفعوا دعاوى على الجامعة واستطاعوا أن يحصلوا على معقد مع أن علامتهم أقل بكثير من المطلوب، وصحيحٌ أن الأمر ليس مضمونًا وليس كأن الكثير من مكاتب المحامين المتخصص ولديها الخبرة في هذا!

ولكن لو عُدنا لأصل المشكلة وفكّرنا: كيف يُمكن للطالب أن ينتهي من دراسة الهندسة في 3 أعوام مثلًا؟ وما هي قيمة هكذا طالب في السوق؟ سنجد المُفاجأة من نفس الشركات التي قامت بدعم نظام “تقصير مدة الدراسة” والتي باتت ترى أن الخريجين غير أكفاء حقًا، فهم يدرسون المواد بوتيرة سريعة جدًا وبالتالي ينسونها بشكل أسرع، كما أن الكثير من الطلبة باتوا يُعانون من مشاكل نفسية بسبب الضغط الدراسي الشديد حيث تشير الإحصائيات إلى أن هناك 30 ألف طالب توجهوا إلى مكاتب الدعم النفسي في الجامعات الألمانية عام 2012، والسبب كما يقول أحد الخبراء للفيلم: أن الطالب تحوّل إلى روبوت!

حاليًا، تلجأ نسبة كبيرة جدًا من الطلبة الألمان إلى إكمال دراسة الماجستير كي يقوموا بتعويض النقص الذي فاتهم في دراسة البكالوريوس، وهو يعكس حقيقة النقص الموجود في هذا النظام، ولكن بالطبع فإن الفيلم قام بالتركيز على الجوانب السلبية فقط، ولكن هذا لا يعني أن التعليم في ألمانيا سيء جدًا، ولكن فيه أخطاء يجب أن يكون كُل مهتم بالدراسة في ألمانيا على وعي ودراية بها، كي يُدرك أن الانتهاء من الدراسة في 6 فصول فقط هي مسألة صعبة جدًا، وأن لقبه الجامعي بدون تجارب في الشركات الألمانية لن يكون له قيمه حقيقية!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك